ما قيل في التحذير من قرناء السوء وحسن ارتياد الجليس والخليل والصاحب

قال صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر ـحدكم من يخالل” حديث حسن غريب.

وروى أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال: «ما أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: «أنت مع من أحببت». قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فأنا أُحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم.

كما قد روى البخاري عن أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلُّه, ومنهم رجلان تحابّا في الله فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه.

وروي عن سفيان بن عيينة قوله في هذ الحديث: “انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شرٌ منه, وانظروا لفرعون معه هامان شرٌ منه, وانظروا إلى سليمان بن عبد الملك صَحِبَهُ رجاء بن حيوة فقوّمه وسدّده”.

وقد قيل: كلمة الخليل جاءت من الخُلّة والخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه وهي أعلى درجات الإخاء, وذلك أن الناس في الأصل أجانب فإذا هم ائتلفوا فهم أودّاء وإذا تشاكلوا فهم أحبّاء فإذا تأكدت المحبة صارت خُلّة.

كما قد سئل بعض العلماء عن قريش كيف صارت أفضل العرب قاطبة وهي قبيلة من قبائل مضر فقالوا: لأن دار قريش لم تزل موسم الناس ومنسك الحاج وكانت العرب تقصد قريش كل عام لحجّهم وتردها لقضاء نسكهم ولا زالت قريش تتأمل أحوالهم ويراعونها فيختارون منها أحسن ما يشاهدون ويتكلمون بأفصح ما كانوا يسمعون من كلامهم ويتخلّقون بأحسن ما يرونه من شمائلهم فصاروا أفضل العرب بسبب حسن الإختيار الذي هو ثمرة العقل فلما ايتعث الله نبيه محمداً منهم تمت لهم الفضيلة وكَمَلت لهم به السيادة.

وروي عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه شعرا يقول فيه عن اختيار الصاحب:
ولا تصحَب أخا الجهلِ
وإياك وإيّاه

فكم من جاهلٍ أردى
حليماً حين آخاه

يقاس المرءُ بالمرءِ
إذا ما هوَ ماشاهُ

وللشيء على الشيء
مقاييسٌ وأشباهُ

وللقلب على القلبِ
دليلٌ حين يلقاهُ.

وروى الأصمعي عن أعرابي قوله: عداوة الحليم أقل ضرراً عليك من مودّة الجاهل, وفي هذا لبعض الشعراء قول هو:
ولأن يُعادي عاقلاً خير لهُ
من أن يكون له صديقٌ أحمقُ

فارغب بنفسك أن تصادق جاهلاً
إن الصديق على الصديق مصدِّقُ.

وأنشد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال:
أبنيّ إمّا تفقِدَنّ فلا تكن
دنِسَ الفِعَال مبَيَّض الأثوابِ

واحذر مصاحَبَة اللئام فربما
أزرى الكرام فُسُولةُ* الأصحاب.
*”الفَسل: هو الرذيل النذل الذي لا مروءة له ولا جلد”.

وقال شريك بن عبد الله ابو عبد الله النخعي: لا تسافر مع جبان فإنه يفر من أبيه وأمه, ولا تسافر مع أحمق فإنه يخذلك أحوج ما تكون إليه, ولا تسافر مع فاسق فأنه يبيعك بأكلةٍ وشربَه.

وقال محمد بن النضر الحارثي:
فإذا صاحبت فاصحب صاحباً
ذا حياءٍ وعفافٍ وكرم

قوله في الشيء لا إن قلت لا
وإذا قلت: نعم قال: نعم.

وروى شكَّر قولا لعلي بن الحسن رضي الله عنهما يقول فيه: لا يقول رجلٌ في رجلٍ خيرا لا يعلمه منه إلا يوشك أن يقول شراً لا يعلمه منه, ولا يصطحب اثنان على غير طاعة الله عز وجل إلا يوشك أن يفترقا على غير طاعة الله.

وقد قال أحد الحكماء: عمادُ المودّة المشاكلةُ, وكلّ ودٍ عن غير تشاكُل فهو سريع التصرّم, وأنشد الطائيّ في مثل هذا فقال:
ولن تنظِمَ العِقدَ الكَعَابُ لزينةٍ
كما تنظِمُ الشملَ الشتيتَ الشمائِلُ.

وروى أبو سليمان الخطابي البُستي رحمه الله أن بعض أهل الحكمة نقشوا على خواتهم: من ودّك لأمر ولّى مع انقضائه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*