العراق واليمن والضربات على السعودية: طبيعة الحرب المتغيرة.

نورس للترجمة يقدم ترجمة لمقال
العراق واليمن والضربات على السعودية: طبيعة الحرب المتغيرة.
نشره موقع CSIS بتاريخ 18\9\2019
ترجمه لنورس: أ. ضرار الخضر

لم يمتلئ التاريخ أبداً بتنبؤات جيدة حول تطور الحرب في المستقبل، وفيما عدا كتب الخيال العلمي الجامح، لم يتنبأ احد بالطبيعة التقنية والتكتيكية والاستراتيجية للحرب العالمية الأولى. وبدأت الحرب العالمية الثانية بمبالغات شاملة للتهديد الذي تمثله الغازات السامة والقوة الجوية في النهار، والقوات البحرية حيث كان التأكيد على أهمية معارك السفن في الحرب التي سيطرت عليها الغواصات وحاملات الطائرات. و الجهود لإعادة تشكيل القوات البرية تطورت الى نظام الحرب الخاطفة، بعد هجمات المدرعات التي طورها القادة الألمان الذين عصوا أوامر قادتهم الأعلى رتبة في البداية.
بعد الحرب العالمية الثانية بُذِلَت جهود جبارة لإعادة هيكلة القوات البرية والجوية والبحرية لتتلاءم مع الحرب النووية مما أدى الى الخوف من الدمار المتبادل المؤكد وخوض حروب تقليدية صغيرة وحروب تمرد خارج المناطق الحساسة للناتو وجبهات حلف وارسو، وشهدت حرب الخليج سنة 1990 تطورات كبرى في الضربات الجوية الدقيقة، لكنها شهدت أيضاً تحولات محبّذة في المدرعات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة أكثر مما كان أكثر المخططين والمحللين العسكريين يتوقعه قبل المعركة الفعلية.

“الثورة” في حرب الضربات الدقيقة:
السلسلة الأخيرة للضربات بالطائرات المسيرة وصواريخ الكروز على المملكة العربية السعودية ربما تشير بشكل واضح الى “ثورة” أخرى نتيجة للتطورات في التقنيات العسكرية والتكتيكات والقتال الحربي. وعلى الأقل أظهرت الضربات أن التهديد الاستراتيجي من الأسلحة التقليدية الرخيصة نسبياً يمكن أن تكون بخطورة –أو أكثر خطورة- من الاستخدام الموسَّع للقوات الجوية الاستراتيجية في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام.
إن المستوى الكامل للتقدم الذي يمثلونه يبقى غامضاَ، وبالنسبة لكل التقارير الاعلامية والتصريحات الرسمية حتى اليوم، ما يزال من غير الواضح تماماً ما هي الأسلحة التي استُخدِمَت ومن استخدمهم، والأكثر أهمية كان التركيز على الدولة التي انطلق منها الهجوم، ومن جهّز للهجوم وأعدَّ البنية التحتية، وما مدى الأسلحة وما الذي ضُرِبَ.
كان ثمة تقارير مقنعة عن دقة وموثوقية الطائرات المسيرة وصواريخ كروز المستخدمة، وأي أنظمة لتجنب الارتطام بالتضاريس الأرضية كانت تحملها مما مكّنها من التحليق على علو منخفض للتقليل من قدرة الرادار على اكتشافها. ولا يوجد معلومات عن أنظمة التوجيه وقدرتهم على التحليق وتنفيذ الهجوم المعقّد وتجنب الرادارات والدفاعات الجوية الأرضية. ولم يكن ثمة تقارير عن أنظمة التوجيه النهائي من ناحية مستويات الدقة في أنظمة الجي بي إس واستخدام الصورة لضرب هدف معين في مكان معين بدقة عالية، الانظمة “الذكية” توصف بطرق غبية جداً.
هذه الثغرات كلها مسائل مهمة لتحديد الدروس المستقاة من هذه الضربات للاستفادة منها في دروس المستقبل، فقلة من أنظمة الدفاع الجوي –مثل الأنظمة الروسية 9k331-Tor-M1-S1-15 غانتلس المقدَّمة لإيران- نُشِرَت حتى الآن بهدف التعامل مع الطائرات المسيرة وصواريخ كروز المتطورة التي تحلق على ارتفاع منخفض ويمكنها تنفيذ مناورات معقدة وبعيدة المدى، وطريقة “العناق” بين الأرض وأنظمة تجنب التضاريس لتجنب الرادار وأنواع الكشف الأخرى، والقدرة على العودة الى الهدف الذي انطلق منه بعد قطع مسافة بعيدة بدقة عالية، بعد إصابة نقاط حساسة في الهدف بدقة عالية بحيث تشمل المنشآت الصناعية المرتفعة الثمن، والبنى التحتية والأهداف العسكرية باستخدام كميات قليلة من المتفجرات نسبياً لتدمير مكونات رئيسية.
التوقيت غير المحدد ونوعية التهديد الجديد:
ليس ثمة تقارير مقنعة من مصادر مفتوحة عن المدى الذي وصلت إليه إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا والقوى الأخرى في تطوير واستخدام مثل هذه الأنظمة، وفي إضافة بعض الميزات الخفية وبعض وسائل الاختراق، وهذا واضح من حجم الثرثرة المتضاربة عن تحليلات الضربات السعودية، ومع ذلك فمن المؤكد أن إيران حققت تقدماً كبيراً وثمة تلميحات قوية بأن الصين وكوريا الشمالية تملك أو ستمتلك مثل هذه التقنيات عما قريب. إن استخدام الطائرات المسيَّرة المتطورة وصواريخ كروز خارج الحدود مسألة وقت لا أكثر، والإطار الزمني للتطويرات الرئيسية يمكن أن تتجاوز المدة اللازمة لها ما بينا 3-5 سنوات على الأغلب، خصوصاً عند الاخذ بعين الاعتبار نجاح الضربات الأخيرة على العربية السعودية.
كما أنه ليس من الواضح فيما إن كانت مثل هذه الأنظمة المستخدمة في الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز تتطلب الكثير من البنى التحتية الخارجية للاستهداف وإدارة المعركة. كل بلد متوسط التطور لديه فكرة جيدة عن البنية التحتية الحساسة لدى عدوه وقاعدته الصناعية ومنشآته العسكرية. وبعض الاعتبارات المتعلقة بوضع خريطة للتضاريس من أجل التحليق منخفض المستوى لم يعد يتطلب ذات البيانات المتقدمة لمناطق معينة، ويمكن الحصول على إحداثيات الجي بي إس وصولاً الى جي بي إس حقيقي وقياس الصور على مكوّن رئيسي في نظام معقّد –وواحد مع أوقات تبديل طويلة- عن طريق أي عامل عابر. وغالباً ما تكون الضربة الواحدة بسلاح مزوّد برأس حربي تقليدي صغير نسبياً يمكن أن يكون كافياً ليؤدي مهمة “القتل”.

أسلحة من منخفضة الى مرتفعة المستوى الهجين ومنطقة الحرب الرمادية:
أظهرت الضربات على المملكة العربية السعودية أيضاً، أن الهدف لا يجب أن يكون عسكرياً بالضرورة، بل يمكن أن يكون منشأة طاقة حساسة يتواجد فيها المدنيون عادة، ويمكن أن تكون ذات صلة أساسية في نظام التواصل العالمي في الشبكة العالمية أو تكون البورصة أن محطات تنقية المياه أو منشأة صحية مدنية حساسة، أو نقطة عقدة مواصلات على جسر.
كل دولة متوسطة التطور في العالم تعلم مسبقاً كيف تنفذ هذا النوع من الاستهداف، وبعضهم –مثل إيران وكوريا الشمالية- جرّبوا مثل هذه الخيارات لسنوات، كما أن العديد من الأمم التي تمثل تهديداً خطيراً مثل إيران يمكن أن تجد وكلاء محتملين لها مثل حزب إيران اللبناني والميليشيات العراقية وحركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية والحوثيين لتنفيذ هجوم، أو يمكنها سراً إيجاد موقع هجوم جديد بعيد بحيث يصعب حتى على الأقمار الصناعية اكتشافه.
وتظهر الاستجابة البطيئة وغير المؤكدة للولايات المتحدة والعربية السعودية على الضربات الحالية أن أنظمة الطائرات المسيرة وصواريخ كروز أسلحة طبيعية في الحرب الهجينة وحروب المنطقة الرمادية. وحتى الهجمات الخطرة بحق يمكن أن تكون غامضة أو غير ذات مصداقية كبيرة، وأي رد فعل يمكن أن يؤدي الى هجوم معاكس وسلسلة من التصعيدات المفتوحة. مثل ما أبدته الصين من خلال تحصين وتسليح شُعَبِها المرجانية في المحيط الهادئ، فنشر مثل هذه الأسلحة يمكن أن تعقّد المخاطر في الهجوم والرد والانتقام.
ومثل هذه الضربات تشكل خطراً أقل بكثير في حال حدث رد، وحتى إن استُخدِمَت أسلحة نووية منخفضة التأثير فذلك يفتح المخاطر بالتدمير المؤكد المتبادل. الضربات التقليدية المحدودة الدقة تفرض القليل من المخاطر حتى وإن كان الهدف حساساً جداً لدرجة أن تدميرها يأخذ طابع استبدال “سلاح الدمار الشامل” بـ “سلاح التدمير الشامل”.
وتتجه هذه المخاطر لتكون أصغر إن –كما في حال الضربات على العربية السعودية- كانت الهجمات بالفعل من فعل الحوثيين. ويتبيّن من تجربة الحوثيين: إن كان الهدف الأولي يشمل مدنيين من بلدك –والعالم يراهم من قبل يقتلون- ما مدى السهولة التي يمكن بها لعدوك الادعاء بأن هجماتك ليست رداً شرعياً؟
إعادة تحديد العناصر المهمة لـ”القدرات المزدوجة”:
إن كان بلد ما يملك طائرات مسيَّرة وأسلحة تدمير شامل في ذات الوقت، فإن طائرات مسيّرة وصواريخ كروز أكبر يمكن أن تشكِّل قدرات مزدوجة، فهي تضيف نوعاً جديداً من أبعاد الضربات النووية الى التهديد، وعندها يجبر استخدامهم البلد المستهدَف على التفكير بتصعيد معاكس على الصعيدين التقليدي والنووي.
كما أنهم أجسام طائرة بطيئة وبالتالي حامل مثالي للأسلحة البيولوجية حيث يمكنها السير وفق مسار حلزوني وإلقاء حمولتها فوق مدينة مكتظة بالسكان.
ويبدو أن مثل هذه الحمولات قد تكون صغيرة جداً بالنسبة لهجمات كيميائية فعالة، حتى مع الجيل الخامس من الأسلحة، لكن هجوماً بيولوجياً بأكثر المواد فتكاً أو تلك المعدلة وراثياً، يمكن أن يمثّل “أسلحة دمار شامل” حقيقية، ويشكل الرد عليه بالمثل إشكالية أخلاقية وجيوسياسية.
الخيارات الدفاعية الحالية والمستقبلية غير المؤكدة:
الدفاعات الجوية يمكن أن تتأقلم مع الهجمات بالطائرات المسيّرة وصواريخ كروز الى درجة ما، لكن من المُكلِف والصعب الدفاع عن مناطق كبيرة ضد الطائرات والصواريخ المعادية، خصوصاً تلك الدفاعات غير المبنية على إشارات تحذيرية واضحة تكون الدولة مستعدة لها، وهذا يمكن أن يشمل التهديدات الجوية والصواريخ الباليستية أيضاً.
إن قدرة أنظمة الدفاع الجوي مثل أنظمة الرادار المحمولة جواً في طائرات أواكس في القوات الجوية الأمريكية والسعودية، وطائرات الدفاع الجوي المقاتلة مثل إف 15 وإف 22، للكشف عن هذه الأنظمة واعتراضها، تكون ضعيفة في المناطق الواسعة ذات التضاريس المعقدة والارتفاعات المنخفضة. ويسري ذات الأمر على القدرة التشغيلية المثبتة لمعظم صواريخ أرض جو الرئيسية مثل سام-3 وباتريوت وإس300 وإس400.
وقدرة تغطية المناطق تنخفض بشدة بالنسبة لكل الأنظمة عند التعامل مع الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز على ارتفاعات منخفضة، حتى وإن كانوا يفتقرون لأي من وسائل التمويه (الإعماء الراداري)، وعملية التمويه الراداري اليوم أقل غموضاً بكثير مما كانت عليه في الماضي.
واستخدام أعداد كبيرة من أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى مثل 9K331 الروسية، والنسخ المتطورة من الأنظمة الدفاعية مثل كروتال الفرنسي، والرشاشات الموجّهة بالرادار يمكن أن تساعد. لكن هذا يعني انتشاراً لأعداد كبيرة من الأنظمة ذات الأغراض الخاصة للدفاع عن موقع معين، وحتى أفضل الدفاعات ستكون عرضة للتعمية الرادارية والتشبّع (زيادة عدد الأهداف بشكل كبير في نفس اللحظة)، وبالتالي يجب استخدام سلاح فوري التعامل معهم فالتعامل البطيء سيكون خطراً، مما يُخرِج العامل البشري من دائرة العمل.
التعامل مع الصواريخ الباليستية الدقيقة الموجَّهة والأنظمة العسكرية الأخرى:
هذا الاستخدام سيحدث أيضا في وقت تشن فيه عدة دول هجمات صاروخية متزامنة، وعندما تكون البلدان بصدد نشر صواريخ باليستية دقيقة التوجيه وعندما تُستَخدم صواريخ أو طائرات أسرع من الصوت. وبعض الدول مثل إيران وكوريا الشمالية وروسيا والصين تطوِّر وتنشر مثل هذه الأنظمة، ودول أخرى مثل الهند وباكستان ربما تفعل هذا قريباً، وكل هذه الامكانيات الجديدة تمثّل كذلك تحديات كبرى على القوات الموجود وتكتيكات الضربة وتقنية الضربة.
الى حد الآن أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية البالستية أكثر تكلفة بأشواط من أنظمة الهجمات الصاروخية البالستية، فهي تتطلب طبقة جديدة من أنظمة الدفاع الأخرى. لقد بدأ انتشار هذه الصواريخ البالستية الموجهة الدقيقة ومن المؤكد أنها ستنتشر وتتحسن مع الوقت، كما أنها ليست مثل مجموعة كبيرة من الصواريخ الباليستية الأقدم والتي يمكن إطلاقها كشِراك في هجوم بهجمات صاروخية دقيقة، أو تُطلَق لتعقيد الدفاع ضد الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز.
ولا يوجد قواعد لاستغلال بعض التزامن في بعض الأشكال الجديدة من الحرب على نطاق واسع، ويمكن استخدام الحرب السيبرانية والتخريب لتحقيق ضربات بالطائرات المسيّرة وصواريخ كروز ويمكن استخدامها لاكتشاف الرد الجاهز ضد هذا النوع من الضربات. ويمكن استخدام صواريخ كروز بأشكال تقليدية من القوات الجوية والبرية لاكتشاف استخدامهم، أو في حال التصعيد الى الحرب الجوية والبرية التقليدية في المقابل.
والحرب البحرية أخذت شكلاً جديداً من قبل باستخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى المضادة للسفن وصواريخ كروز، وتتخذ النكتة القديمة: “السفينة هي حفرة في الماء تسكب فيها مالك” تأخذ شكلاً جديداً عندما تصبح حاملة طائرات تكلف عدة مليارات من الدولارات حفرة حقيقية في الماء، الهجمات الصغيرة بالسفن بصواريخ مضادة للسفن والغواصات الصغيرة يمكن أن تصبح مكافئة لصواريخ كروز والطائرات المسيرة، والألغام البحرية “الذكية” يمكن أن توجِدَ حالة من الغموض إزاء تحديد هوية المهاجِم.
وإمكانية تنفيذ مثل هذه الضربات يمكن أن تتفاعل مع واحد من التحديات الرئيسية التي نشأت في الحروب السابقة، والتطويرات التي قامت بها الولايات المتحدة في حقل الضربات الجوية الدقيقة في حرب الخليج الأولى عام 1990 أوجدت طلباً مرتفعاً باستمرار للتركيز على الجوانب التي تقلل الخسائر في صفوف المدنيين وتلك الطلبات وصلت الى درجة غير واقعية أبداً.
في بعض الحالات تفرض مثل هذه المطالب قيوداً على استخدام القوات العسكرية التقليدية، كما أنها تجعل من المستحيل استخدام هذه القوات لتحقيق نتائج حاسمة، لكنها تعمل كحوافز هامة للقوة المستهدفة لاستخدام المدنيين كدروع بشرية، واحتلال المنشآت المدنية الرئيسية والانخراط في حرب سياسية للمبالغة في الخسائر المدنية بسبب الأسلحة الحديثة وتجنُّب أي ذكر لهجماتهم على مدنيي الطرف الآخر. فإن تمكن المتطرفون والارهابيون والمتمردون من الحصول على طائرات مسيرة قصيرة المدى نسبياً فسيكون لديهم القدرة على إلحاق أضرار جسيمة عبر تفريق الدروع البشرية أو الاستفادة منها.
وكما برهنت إيران من قبل، يمكن استخدام صواريخ كروز والطائرات المسيرة لمواجهة أو إمداد اقتصاد الحرب والتعامل مع العقوبات، كما أن هذا الاستخدام يدعم حقيقة أن القدرة على التصعيد ببعض الطرق العسكرية لا يؤدي بالضرورة الى الدمار المتبادل، لكنه يتكامل مع الحرب السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وإذا نظرنا من منظور أوسع فهي تعني أن القواعد الوحيدة لحرب المستقبل هي أنه لا توجد قواعد، وأن الجانب الوحيد الذي يمكن التنبؤ به بشكل مؤكد هو أنه لن يكون أي شيء قابلاً للتنبؤ به كما في السابق.

جميع الحقوق محفوظة لمركز نورس للدراسات | 2019

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf العراق_واليمن_والضربات_على_السعوديةأكتوبر 15, 2019 12:09 م 595 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*