“مسؤول أوروبي أمني: أكثر الوحدات الروسية سرية تسعى لخلخلة استقرار أوروبا”

نورس للترجمة يقدم ترجمة لمقال
“مسؤول أوروبي أمني: أكثر الوحدات الروسية سرية تسعى لخلخلة استقرار أوروبا”
نشرته صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 8|10|2019
ترجمه لنورس: أ. ضرار الخضر

جاءت أولا حملة زعزعة الاستقرار في مولودافيا، ثم تسميم تاجر سلاح في بلغاريا ومن ثم محاولة انقلاب فاشلة في الجبل الأسود، والسنة الماضية حدثت محاولة لاغتيال جاسوس روسي سابق في بريطانيا باستخدام غاز الاعصاب، وتشير أصابع الاتهام في هذه العمليات الى عملاء وكالة المخابرات الروسية، وكانت السلطات قد ظنّت أن هذه الهجمات في البداية معزولة وغير مترابطة.
تَوصّل ضباط الأمن الأوروبيون، والعديد غيرهم، الى أن هذه الهجمات جزء من حملة منسقة متواصلة لزعزعة استقرار اوروبا، تنفّذها وحدة نخبة داخل نظام المخابرات الروسي المتمرس بالقتل والتخريب والاغتيالات.
الوحدة المعروفة باسم الوحدة 29155 وعملت لنحو عقد من الزمن قبل أن يكتشف المسؤولون الغربيون أمرها مؤخراً، ويقول المسؤولون الأمنيون في أربعة بلدان غربية إنه ليس من الواضح كيف كانت الخليّة تجتمع وتتخذ احتياطاتها بحيث يستحيل اكتشاف أين ومتى سيضرب عملاؤها.
والغاية من الوحدة 29155 التي لم يُعلن عنها من قبل، هو التأكيد على أن الدرجة التي يقاتل فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هي القتال النشط للغرب باستخدام ماركته المفضلة مما يسمى الحرب الهجينة – مزيج من الحملات الدعائية والهجمات السيبرانية والتضليل الاعلامي- إضافة الى جبهة عسكرية مفتوحة.
قال الضابط الأمريكي المتقاعد الذي شغل منصب الملحق العسكري في السفارة الأمريكية في موسكو بيتر زواك: ” أعتقد أننا نسينا القسوة التي يحملها الروس في جيناتهم” وقال إنه لا يعرف بوجود الوحدة.
وفي رسالة مكتوبة، وجّه ديمتري بيسكوف المتحدث باسم بوتين أسئلة عن الوحدة لوزارة الدفاع الروسية، إلا أن الوزارة لم ترد.

ماج جن اندريه افيريانوف، هو قائد الوحدة. كول اناتولي تشيبيغا اتُّهِم في بريطانيا بمحاولة تسميم سكريبال.

تقع هذه الوحدة داخل أسوار خراسانية في مقر التدريب التخصصي للأغراض الخاصة رقم 161 شرق موسكو، وتندرج ضمن التسلسل الهرمي لقيادة وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية والتي تُعرَف على نطاق واسع باسم وكالة الاستخبارات الروسية.
ورغم أن الكثير من عمليات وكالة الاستخبارات الروسية تبقى غامضة إلا أن وكالات المخابرات الغربية بدأت برسم صورة أوضح حول بنائها الخفي. وفي الشهر الذي سبق الانتخابات الرئاسية سنة 2016، قال مسؤولون أمريكيون إن اثنين من وحدات الهجمات السيبرانية في وكالة الاستخبارات الروسية المعروفتان بالأرقام 26165 و74455 اخترقتا خوادم لجنة الحزب الديمقراطي وحملة كلنتون الانتخابية، ثم نشروا مراسلات داخلية محرجة.
والسنة الماضية وجّه روبرت مولر المستشار الخاص المكلف بمراقبة التحقيق حول التدخل الروسي بالانتخابات سنة 2016، الاتهام الى أكثر من عشرة ضباط من هذه الوحدات، رغم أنهم جميعاً ما زالوا طلقاء، ففرق الهجمات السيبرانية تعمل في الغالب من موسكو التي تبعد عن أهدافهم آلاف الأميال.
وعلى النقيض، يسافر ضباط من الوحدة 29155 الى اوروبا ومنها، وبعضهم من المحاربين القدماء ممن جرت إعادة تأهيلهم في حروب روسيا الأكثر دموية؛ أفغانستان والشيشان واوكرانيا. وعملياتها سرية للغاية، حسب تقييمات أجهزة المخابرات الغربية، لدرجة أن وجود الوحدة غير معروف بالنسبة الى قادة وكالة الاستخبارات الروسية الآخرين.
يبدو أن الوحدة مجتمع منغلق، وتُظهِر الصور العائدة للعام 2017 قائد الوحدة ماج جن اندريه في حفل زواج ابنته يرتدي بدلة رمادية وربطة عنق مقوّسة. وكان قد اتُّهِم مع العقيد كول اناتولي تشبيغا في قضية تسميم الجاسوس الروسي السابق سرجي سكريبال.
وقال ضابط المخابرات الاوروبي متحدثاً باسم مستعار لوصف شؤون مخابراتية سرية: “إن وحدة من وكالة الاستخبارات الروسية كانت ناشطة لسنوات في اوروبا، وكان من المفاجئ أن الروس ووكالة الاستخبارات الروسية أخذت حريتها لتتقدم وتنفّذ هذه العملية الشريرة في بلدان صديقة، لقد كانت صدمة”.
وجذبت العمليات الأربع الانتباه بدرجات متفاوتة، رغم أن اكتشاف أنها كانت مترابطة استغرق وقتاً من السلطات، وعرفت أجهزة المخابرات الغربية الوحدة للمرة الاولى بعد الانقلاب الفاشل سنة 2016 في الجبل الأسود، حيث اشترك ضابطان من الوحدة لقتل رئيس وزراء البلاد والاستيلاء على برلمان البلاد.
لكن المسؤولين بدأوا باستيعاب أجندات الوحدة لنشر الاضطرابات بعد عملية تسميم السيد سكريبال الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الروسية الذي خان روسيا عبر التجسس لصالح بريطانيا. السيد سكريبال وابنته يوليا أُصيبا بمرض الحزن بعد التعرض لغاز شديد السمية، لكنهما بقيا على قيد الحياة.
ومرض ثلاث أشخاص آخرين بمن فيهم ضابط شرطة ورجل وجد زجاجة صغيرة يعتقد المسؤولون البريطانيون أنها استخدمت لنقل غاز الاعصاب وأعطاها لصديقته، وماتت صديقته هذه واسمها داون سترجس بعد أن رشّت الغاز على جلدها ظناً منها أنه عطر.
وأدت عملية التسميم هذه الى مواجهة جيوسياسية، حيث طردت أكثر من عشرين دولة بمن فيهم الولايات المتحدة 150 دبلوماسياً روسيا، لإبداء التضامن مع بريطانيا.
وفي النهاية كشفت السلطات البريطانية اثنين من المشتبهين الذين سافروا تحت أسماء مستعارة لكنهم عُرِفوا لاحقاً وحُدِدَت أسماؤهم باستخدام موقع التحقيق بيلينغكات على أنهما العقيد تشيبيغا وألكساندر مشيكان. وبعدها بستة شهور أدان المفتشون البريطانيون الرجلين بنقل غاز الاعصاب الى منزل السيد سكريبال في سالزبري في انكلترا ورشِّه على الباب الخارجي.
لكن العملية كانت أعقد مما كشف عنه المسؤولون وقتها.
قبل عملية التسميم بسنة بالتمام سافر ثلاثة من أفراد الوحدة 29155 الى بريطانيا، ربما للتدريب العملي، حسبما قال ضابطان اوروبيان، وأحدهما كان مشيكان، ورجل آخر استخدم الاسم المستعار سيرجي بافلوف، ويعتقد ضباط المخابرات أن الشخص الثالث الذي استخدم الاسم المستعار سيرجي فيدوف، راقب المهمة.
وسرعان ما اكتشف ضباط الامن أن اثنين من هؤلاء الضباط -الرجال الذين استخدموا الاسماء المستعارة فيدوف وبافلوف- كانوا جزءً من فريق حاول تسميم تاجر السلاح البلغاري إيمليان جبريف سنة 2015. ( الأشخاص الآخرون معروفون بأسمائهم المستعارة فقط، وحسب مسؤولي المخابرات الاوروبية، هم إيفان ليبيدف ونيكولاي كونونيخين وألكسي نيكيتين ودانيل ستيبانوف).
وحاول الفريق قتل جبريف مرتين، مرة في صوفيا العاصمة ومرة ثانية بعدها بشهر في بيته في البحر الأسود.
وتحدث أليكس يونغر رئيس جهاز MI6 وهو جهاز المخابرات الخارجية البريطاني الى الصحافيين في شهر شباط في مؤتمر ميونخ الأمني، مرة ثانية عن تزايد التهديدات الروسية وألمح الى التنسيق دون ذكر وحدة معينة.
وقال السيد يونغر محدداً تسميم سكريبال والمحاولة الانقلابية في الجبل الأسود: “يمكنك أن ترى برنامجاً متكاملاً، ونعم اشترك فيها ذات الناس” وأضاف: “حسب تقييمنا يوجد تهديد مستمر من وكالة الاستخبارات الروسية وأجهزة المخابرات الروسية الأخرى والقليل جدا مما هو خارج الحدود”.
ويرى الكرملين روسيا على أنها في حالة حرب مع الغرب الليبرالي الذي تراه خطراً وجودياً.

في حفل في شهر تشرين الثاني في الذكرى المئوية على انشاء وكالة الاستخبارات الروسية وقف بوتين تحت شعار متوهج للوكالة –قرنفل وقنبلة منفجرة- ووصفها على أنها “اسطورة”، ورسم بوتين ضابط المخابرات السابق خطاً مباشراً بين جواسيس الجيش الاحمر الذين ساهموا بهزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية وضباط وكالة الاستخبارات الروسية الذين تقف “إمكاناتهم الفريدة” في وجه أعداء مختلفين.
وقال بوتين خلال الاحتفال: “لسوء الحظ، يهيمن خطر الحرب على العالم، تستخدم الاستفزازات والاكاذيب وتُبذل المحاولات لتعطيل التوازن الاستراتيجي”.
وفي عام 2006 وقّع بوتين قانوناً يشرّع القتل خارج الحدود، وفي ذات السنة حاول فريق من القتلة الروس قتل اليكساندر ليتفينينكو وهو جاسوس روسي سابق آخر باستخدام عنصر مشع في لندن.

جميع الحقوق محفوظة لمركز نورس للدراسات | 2019

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*