إضاءة استراتيجية في تاريخنا العسكري فتح العراق | بين استراتيجية الإفناء واستراتيجية الاستنزاف

إضاءة استراتيجية في تاريخنا العسكري
فتح العراق، بين استراتيجية الإفناء واستراتيجية الاستنزاف

صفحة من تاريخنا
في محرم ١٢ ه، وما كاد خالدٌ رضي الله عنه أن ينتهي من القضاء على حركة مسيلمة الكذّاب في اليمامة، حتى جاءته أوامر الخليفة أبو بكر الصّديق رضي الله عنه بالانطلاق نحو العراق لمواجهة الإمبراطورية السّاسانية وفتح عاصمتهم المدائن (قرب بغداد اليوم). فانطلق خالد من اليمامة إلى الأبلة (قرب البصرة اليوم) في محرم سنة ١٢ ه بعد أن حشد ١٨ ألف مقاتل للفتح، واشتبك على طول نهر الفرات- باستثناء المذار على نهر دجلة- صعوداً في عدّة معارك مع الفرس والنصارى العرب انتصر فيها جميعاً، وهي ذات السّلاسل وأُبُلّة والوَلْجَة وأُلَّيس (نهر الدّم) وأمْغيشيا والحيرة والأنبار وعين التّمر ودومة الجندل والحَصيد والخنافس والمُصَيّخ والزّميل والثّني والرّضاب انتهاءً بالفراض، وتمّت هذه المعارك في غضون سنةٍ هجريةٍ كاملة. قضى خالد رضي الله عنه بفتحه للحيرة على امارة اللخميين العرب، التابعين للفرس، وعزم على التّوجه نحو المدائن، إلا أنّ أوامر الصّديق جاءته بإلغاء هذا الأمر والتّوجه مسرعاً نحو الشام لمساندة المسلمين هناك لأوليتها وخطورة الوضع هناك، فتوجه بنصف جيشه إلى الشّام وخلَف من بعده المثنّى بن حارثة الشّيباني على العراق.

واصل المثنى الجهاد ضدّ الفرس، واصطدم معهم في معركة باب بابل، وانتصر عليهم. عاد إلى المدينة رضي الله عنه ليستمد من أبي بكر تعزيزاتٍ جديدةٍ، إلا أن ابا بكر وافته المنية وتولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأمدّ العراق بألف مجاهدٍ وأمّر على العراق أبا عبيد، ليكمل المسلمون في العراق المعارك مع الفرس ب١٠ آلاف مجاهد، واصطدموا مع السّاسانيين في معارك النّمَارق والسَّقاطِية وباقَسْياثا وأليس الصغرى، لتُتوَّج بمعركةٍ كبيرةٍ في البُوَيب رمضان سنة ١٣ه، لينفتح المسلمون بعدها بغاراتٍ عنيفةٍ على مراكز الاقتصاد الفارسي، فأغاروا على سوق الخنافس وسوق بغداد والكباث وعلى قوافل للفرس ولنصارى العرب. ولم يتعرض المسلمون إلا لهزيمة واحدة في معركة الجسر شعبان ١٣ ه.

قرر الفرس تغيير استراتيجيتهم السّابقة، من مواجهة المسلمين بعدّة جيوشٍ في عدّة معاركٍ إلى مواجهة المسلمين بجيشٍ واحدٍ ضخم. لما علم المسلمون بأنباء الحشود أصدر عمر رضي الله عنه بحشد كلّ طاقات المسلمين استعداداً لمعركةٍ حاسمةٍ، وذلك من محرم ١٤ ه. توافد جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي بلغ تعداده ٣٣ ألف إلى القادسية، فيما وصل جيش الفرس الذي بلغ تعداده ٢٤٠ الف مقاتل. وبدأت معركة القادسية في شعبان ١٥ ه، واستمرت ثلاثة ايامٍ بلياليهن، لتختتم بنصرٍ مؤزرٍ للمسلمين، وقُتِل فيها قائد الفرس رستم و٤٦ الفٍ من جنوده، فيما استشهد من المسلمين ٨٥٠٠، وكان على إثرها زوال دولة بني ساسان من العراق نهائياً، وفُتِحت المدائن بعدها وسائر بلاد الرافدين.

الإضاءة الاستراتيجية:
في حملة فتح العراق اعتمد القادة المسلمين- وعلى رأسهم خالد بن الوليد رضي الله عنه – أسلوب الحرب الخاطفة، والاشتباك مع جيوش العدو قبل أن تجتمع، في عددٍ من المعارك الصّغيرة، وهزيمتها وتدميرها كلاً على حدةٍ. وسار على نفس نهجه القائدان أبو عبيد والمثنى الشيباني.

هذه الأساليب القتالية بمجموعها يمكن أن تشكل ما يُعرف باستراتيجية الاستنزاف، حيث تَعمد هذه الاستراتيجية إلى إضعاف العدو الأكبر حجماً وقوةً وإرهاقه عبر سلسلةٍ من المعارك الصّغيرة، بدل البحث عن معركةٍ مفردةٍ حاسمةٍ كبرى، وقطبي هذه الاستراتيجية هي اعتماد المناورة “مقاربة غير مباشرة” والمعركة، حيث يتناوب القائد العسكري في استخدامهما لخدمة هدفه وحسب إمكانياته، فقد تلجأ أطرافٌ إلى هذه الاستراتيجية بسبب إمكانياتها المحدودة، كما في حال المسلمين في فتح العراق. وطبّق عبر التّاريخ هذه الاستراتيجية عددٌ من القادة التّاريخيين، منهم غوستاف أدولف وبركليز وفردريك الكبير، طبّق بعضهم هذه الاستراتيجية بسبب محدودية إمكانياتهم، والبعض لأسبابٍ سياسيةٍ وجيوسياسية.

في مقابل هذه الاستراتيجية توجد استراتيجية الإفناء، وقطبها الوحيد هو البحث عن المعركة واختيار الأرض المناسبة لها، بغرض القضاء على مجمل القوة المادية للخصم من عدّة وعتاد “مقاربة مباشرة”، وتطبقها الدّول ذات الإمكانيات الواسعة. واشتهر بها عددٌ من القادة العسكريين، منهم الاسكندر المقدوني ويوليوس قيصر ونابليون.

في فترة تولّي خالد بن الوليد رضي الله عنه لهذا العمل، كان هذا الأسلوب الاستراتيجي موجهاً وفق خطّة أبي بكر رضي الله عنه لفتح المدائن كهدفٍ نهائي، إلا أنّه مع تغيّر الأولويات والتركيز على الشّام، بقي الأسلوب نفسه على يد القادة من بعد خالد، إلا أنّ هدفه أصبح موجهاً نحو استنزاف العدو اقتصادياً وعسكرياً، لحين تغيّر الأوضاع في الشّام.

صحيحٌ أنّ الفرس حاولوا في بعض الأحيان تركيز قواتهم قبل هجوم المسلمين بينما حال الأخيرون دون ذلك، إلا أنّ القيادات العسكرية الفارسية كانت تفضّل أيضاً عدم البحث عن معركةٍ حاسمةٍ، والاكتفاء بإرسال عدّة جيوشٍ ومحاولة استنزاف المسلمين. ويتّضح هذا الأمر من الحوار الذي دار بين آخر الأكاسرة (يزدجرد الثّالث) بعد تولّيه الملك، وبين القائد العسكري الفارسي رستم، فقد كانت الضّغوطات كثيرةً على دولة السّاسانيين لضرورة قمع تمرّدات حدثت ضدّهم، فاستعجل كسرى يزدجرد رستم بالبحث عن معركةٍ حاسمة (استراتيجية الإفناء) كي يتفرّغ لقمع باقي التّمردات، كما في الحوار التّالي واصفاً حال العرب مع الفرس: (إنّما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عُقاب أوفى على جبلٍ يأوي إليه الطّير باللّيل فتَبيبت في سفحه في أوكارها فلمّا أصبحت تجلّت الطّير فأبصرته يرقبها، فإن شذّ منها شيءٌ اختطفه. فما أبصرته الطير لم تنهض من مخافته، وجعلت كلما شذّ منها طائر اختطفه، فلو نهضت نهضةً واحدةً ردّته وأشد شيءٍ يكون في ذلك أن تنجو كلها إلا واحداً، وإن اختلفت لم تنهض فرقةٌ إلا هلكت، فهذا مثلهم ومثل الأعاجم. فاعمل على قدر ذلك).

لم يتفق رستم مع كسرى على هذا الرّأي، إلا أنّه أُجبِر إجباراً على هذه الخطّة (استراتيجية الإفناء)، ومع بدء مسيره إلى القادسية كتب إلى أخيه وعددٍ من ولاة فارس رسالةً ذاكراً فيها قناعته باستراتيجية الاستنزاف لمواجهة المسلمين وتحسّره على عدم تطبيقها: (وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوساً فأبى الملك). يذكر المطاولة (الاستنزاف) بوضوحٍ، بالإضافة إلى أنّه سعى لاستدراج المسلمين في القادسية بقيادة سعدٍ، إلى الدخول في معركةٍ داخل أرض السواد (بين النّهرين)، وهذه الاستراتيجية أشبه ما تكون باستراتيجية القائد الرّوسي كوتزوف، الذي استدرج نابليون إلى داخل عمق الأراضي الرّوسية، مع تملّصه من المعارك الحاسمة مع الجيش الفرنسي قدر الإمكان، محققاً بذلك استنزاف الجيش الكبير الفرنسي وهزيمته.

في المقابل نجح المسلمون في معركة القادسية في حشد الطّاقات لتطبيق استراتيجية الإفناء، ومن المهم القول بأنّ ليس لكلا الاستراتيجيتن اكتفاءٌ ذاتي، أي لا توجد استراتيجية واحدة هي الأفضل، إنما القائد العسكري الناجح هو من يفاضل بينهما حسب الظروف والإمكانيات والأهداف، وقد نجح المسلمون نجاحاً باهراً في تطبيق كليهما. وفي هذا درسٌ لنا في الشّام بضرورة معرفة المراوحة بين هذين الاستراتيجيتين بما يناسب ظروفنا وإمكانياتنا.

المصادر:
– فريق نورس للدراسات
– فن الحرب الإسلامي، بسام العسلي
– الطريق إلى المدائن، أحمد عادل كمال
– القادسية، أحمد عادل كمال
– سيف الله خالد بن الوليد، الجنرال أكرم
– رواد الاستراتيجية الحديثة، إدوارد ميد إبريل

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*