في السودان: إتفاق على اقتسام السلطة مدفوعا باجتماع سري وثورة شعبية.

نورس للترجمة يقدم
في السودان: إتفاق على اقتسام السلطة مدفوعا باجتماع سري وثورة شعبية.
بقلم: دكلان وولش لموقع new york times بتاريخ 5 تموز 2019
ترجمه لمركز نورس زميرلين .ر

احتفالات في شوارع الخرطوم إثر إعلان القادة العسكريين والمدنيين اتفاق اقتسام سلطة يوم الجمعة. اسوشيتيد برس
منذ شهر مضى، تعرَّض الحراك السوداني لهجوم عنيف وأصابته حالة من الفوضى حيث لجأ المتظاهرون إلى الاختباء، بعد أن اجتاحت قوات الدعم السريع منطقة الاحتجاج الرئيسية، فأطلقت النار على عشرات الأشخاص ونهبت واغتصبت، وتمّ قطع خدمة الإنترنت، وطفت جثث قتلى تم انتشالها على سطح النيل.
ثم أقدم قادة الاحتجاج وأعداؤهم العسكريون، الأسبوع الماضي، على عمل غير اعتيادي حيث جلسوا في غرفةٍ واحدةٍ وجهاً لوجه، وفي غضون يومين توصَّلوا إلى اتفاق لتقاسم السلطة لإدارة السودان، لحين إجراء انتخابات في فترة تزيد قليلاً عن ثلاث سنوات.
وبرغم من أن تفاصيل الاتفاق لا تزال قيد الإعداد، إلا أنه يمنح أملاً ضعيفاً في الانتقال إلى الديمقراطية لشعب واحدةٍ من أكبر الدول الإفريقية مساحة، وأهمها إستراتيجيا، ولاسيما بعد نحو ثلاث عقود من الديكتاتورية تحت حكم الرئيس السابق عمر حسن البشير، الذي أُطيح به في أبريل 2019.
وكان على قادة الاحتجاج المشاركين في المفاوضات أن يقدموا تنازلات جسيمة إذ سيتولى الجيش إدارة شؤون السودان على مدى 21 شهرا الأولى بينما سيتولى المدنيون الحكم خلال 18 شهرا الباقية. إلا أن العديد كانوا مرتابين من استحواذ الجيش على السلطة. والآن، يضم المجلس الحاكم خمسة مدنيين وخمسة قادة عسكريين والعضو الحادي عشر يتوافق عليه الطرفان.
وبينما كان وسطاء الاتحاد الإفريقي يضطلعون بمهمة التوصل لاتفاق تقاسم السلطة النهائي، أُبرم هذا الاتفاق في أسبوع حافل بتظاهرات احتجاجية جامحة يُحرِّكها الغضب الشعبي إزاء الوحشية العسكرية، بالإضافة إلى سلسلة من الجلسات الدبلوماسية المكثفة خلف الكواليس، التي توسَّط فيها تحالف استثنائي يضم القوى الأجنبية التي كانت في السابق، على خلاف حول مصير السودان.

وبدأ الاتفاق في التبلور خلال اجتماع سري:
إن دبلوماسيين من كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والسعودية والإمارات اجتمعوا مع قادة عسكريين وقادة للاحتجاجات، في أول اجتماع لهم منذ ارتكاب الجيش لمجزرة 3 يونيو، والتي راح ضحيتها 128 قتيلا على الأقل، وفقاً لأطباء.
وحتى ذلك الحين، كان السعوديون والإماراتيون يدعمون علانية الجيش السوداني بصدر رحب في مواجهته مع المدنيين، فيما بدا أنه يشير إلى قلقهم من أن الثورة يمكن أن تشكِّل سابقةً خطيرةً في حكمهم الاستبدادي. وأيَّد مسؤولون أمريكيون وبريطانيون صراحة المتظاهرين ومطالبتهم بالديمقراطية.
ولكن يوم السبت الماضي، التقى الدبلوماسيون لاستضافة اجتماع سرّي في منزل أحد رجال الأعمال السودانيين البارزين في الخرطوم، وهو اجتماع يرمي لكسر الحواجز بين الطرفين.
ارتفعت حدة التوتر، حيث وجد زعماء الاحتجاج أنفسَهم جالسين أمام اللواء محمد حمدان، قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية، المتهم بإصدار الأوامر بشنِّ الحملة الوحشية في الخرطوم يوم 3 يونيو، وهو ما أصاب الحركة الاحتجاجية بالصدمة. وفي الأسابيع التي تلت ذلك، أصبح اللواء حمدان محط كراهية المحتجين، في الوقت نفسه الذي تنتشر فيه قواته في جميع أنحاء المدينة لتأكيد سلطته المتصاعدة.
وأفصح مسؤولون غربيون وسودانيون – الذين رفضوا الكشف عن هويتهم بسبب الطبيعة الحساسة للمفاوضات – عن تفاصيل الاجتماع الذي كشف عنه لأول مرة المبعوث الأمريكي إلى المنطقة، دونالد بوث، في مقابلة مع إحدى الصحف الإماراتية في نهاية حزيران.
كان الاهتمام المفاجئ للسعوديين والإماراتيين بجمع الطرفين معاً مدفوعاً بتكتيكات اللواء حمدان الوحشية، التي بدا أنها قد تجاوزت الحدود، حتى بالنسبة لبلدين تلقا سيلا كبيرا من الانتقادات لسلوك قواتهما في اليمن.
وقد أدركوا أيضاً، وفقاً لمسؤول غربي، أن الكثير من السودانيين انقلبوا على الجنرال حمدان، مما أجبر دول الخليج على دعم نهج -أكثر دبلوماسية- إلى جانب استمرار دعمهم للجيش.
وحتى الآونة الأخيرة، كان الحكام السعوديون والإماراتيون يدعمون علناً جنرالات السودان، متعهِّدين بتقديم 3 مليارات دولار للمساعدة في تعزيز قواتهم. وقد رحَّب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ونظيره الإماراتي، محمد بن زايد، بجنرالات السودان في عاصمتي بلديهما.
وكان السعوديون والإماراتيون مدفوعين أيضاً بالرغبة في حماية جهودهم الحربية في اليمن. إذ تولى اللواء حمدان، منذ عام 2015، قيادة قوة كبيرة من الجنود السودانيين الذين يقاتلون إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
ومع ارتفاع حصيلة القتلى بعد مجزرة الخرطوم التي وقعت في بداية يونيو، تظاهر مسئولون سعوديون وإماراتيون بالدهشة من اتهامات وُجِّهت إليهم بأنَّهم أعطوا الضوء الأخضر لتبني العنف، ثم إنهم كثفوا جهودهم والدبلوماسية الغربية سعيا منهم لإيجاد حل تفاوضي للأزمة.
وفي حين أنَّ الاجتماع المنعقد في منزل رجل الأعمال قد جمع الطرفين معاً، حيث لم تكن هناك ضمانات لنجاحه. فتوقف الاجتماع لفترة الراحة، وقبل أن يُستأنف مرة أخرى، داهمت قوات اللواء حمدان مكاتب المعارضة في الخرطوم، وصار من المستحيل توقع ما قد يحدث مرة أخرى.
لكن في اليوم التالي، كان هناك استعراض باهر لقوة الشعب الذي غَيَّر مجريات الأمور. حيث ملأ مئات الآلاف من السودانيين- نحو مليون شخص وفقاً لبعض التقديرات- شوارع السودان الأحد الماضي في ال 30 من حزيران، للمرة الأولى بعد إراقة الدماء التي وقعت في الثالث من الشهر نفسه، في صرخة غضب ضد الهيمنة العسكرية وكما صرَّح مسئولون غربيّون أنَّ جنرالات السودان قد اندهشوا من ضخامة المظاهرات وقوتها.
فقُتل 11 شخصاً على الأقل، لكن هذا الحشد الشعبي قد بدَّد مزاعم الجنرالات بأنَّ المظاهرات في تضاؤل، أو بأنها تمثل جزءاً صغيرا فقط من الشعب. وهذا ما أَجبر اللواء حمدان على الحديث.
وصرَّح عدّة مسئولون يوم الأربعاء، أن قادة الاحتجاج اتفقوا على التخلي عن شروطهم الاستباقية وفتح المجال لإجراء محادثات لمدة 72 ساعة، فاقتصرت المحادثات على مناقشة وضع المجلس الانتقالي.
وفي الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة 5 تموز، أعلن وسيط الاتحاد الإفريقي محمد الحسن لبات، أنَّهم توصلوا إلى اتفاق. فسرعان ما خرج السودانيون إلى الشوارع في احتفالات مطلقين أبواق السيارات في جميع أنحاء الخرطوم ومبدين ارتياحهم لتخفيف حدة الأزمة على الأقل حتى الآن.
هذا ولم يتم بعد تدوين الاتفاق حيث لا يزال هذا الأخير قيد الصياغة ومن المتوقع أن يتم توقيعه في مطلع الأسبوع القادم. ويقول مسئولون غربيون وسودانيون أنَّهم يتوقعون أن يُعيَّن اللواء عبد الفتاح البرهان- قائد المجلس الانتقالي -زعيماً انتقاليّاً للسودان.
وستُشكّل حكومة تكنوقراط للعمل تحت إشراف المجلس الحاكم، في حين نُحيت جانباً الاقتراحات السابقة بوجود كيان تشريعي يهيمن عليه المدنيون.
إلّا أنَّ كثير من الأمور تبقى غير واضحة. فالعسكريّون لم يوضحوا بعد متى ستعود خدمة الإنترنت، وهو مطلب أساسي للمتظاهرين. وأيضاً، فهناك لبس بخصوص ما إذا كانت التحقيقات النزيهة التي وعدوا بها بشأن من قُتلوا يوم 3 حزيران ستجريها جهة حقوق إنسان تابعة للاتحاد الإفريقي أم أخرى سودانية.
وليس من المؤكد ما سيحدث في حال أشارت التحقيقات بأصابع الاتهام بالقتل إلى اللواء حمدان، الشهير بحميدتي، وهي نتيجة قد تفضي بالعملية السياسية إلى اضطرابات. ومع أن قواته قلَّلت من ظهورها في شوارع الخرطوم مؤخراً، فليس هناك شكٌّ في أنها تتولى السيطرة على الأمور.
كما أن طموحاته السياسية تمثل لغزاً: هل يسعى إلى إدارة البلاد، أم يكتفي بالحفاظ على مصالحه الاقتصادية مثل مناجم الذهب في المنطقة الغربية بدارفور؟

يقول بعض المحللين إنَّ المدنيين قد تنازلوا كثيراً:
إذ يرى بايتون كنوبف- مستشار البرنامج الإفريقي في معهد السلام بالولايات المتحدة- أنه «ليس هناك أي إشارة أن هذا يعني إعطاء سلطة للمدنيين فيما يتعلق بالموارد، أو صنع القرار، أو خدمات الأمن»، مضيفاً: «أنه فقط يعطي مزيداً من الوقت والمساحة للعسكريين وحميدتي لتعزيز قوتهم لا أكثر «.
إلا أنَّ هناك آخرين يقولون إن هذه خطوة أولى ضرورية – يقول أحمد سليمان- وهو متخصص في الشأن السوداني في معهد سياسات كاثهام هاوس: «يرى بعضٌ من المعارضة حميدتي أنَّه خطٌ أحمر، لكن ليست هناك آلية لتنحيته من الصورة الآن، أو في المستقبل القريب. فقد أصبحت القضية الآن قضية من أجل التطلع إلى مصلحة الشعب ومن أجل تحقيق الديمقراطية الشاملة.
ثم أضاف سليمان أنه إذا جرى الانتهاء من الاتفاقية في عطلة الأسبوع هذه، فإنها ستكون بمثابة اللبنة الأولى لإحلال السلام في السودان، مضيفاً أنه هو» عمل صعب، وقد بدأ لتوه. «

جميع الحقوق محفوظة لمركز نورس للدراسات | 2019

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf اتفاق على اقتسام السلطة في السودانيوليو 14, 2019 5:59 م 1 MB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*