الدروز

“فتأييد مولانا سبحانه واصلٌ إليّ، ورحمته وأفضاله ظاهرة وباطنة علي، وجميع أصحابي المستجيبين عزيزين مكرمين … مقضَون الحوائج دون سائر العالمين”

هذا مقتطف مما اعتاد حمزة بن علي الزَوْزَنِي افتتاح رسائله به، ومولاه المذكور هو الحاكم بأمر الله الفاطمي، اما حمزة فهو كبير رسله، حتى إذا ما مات انقلب أهل مصر على دعوة الحاكم واندثرت دعوته بالكامل إلا من وادٍ صغير على جنبات جبل لبنان لتصبح هذه البقعة مصدرا لطائفة الدُّروز

يرجع تأسيس طائفة الدروز إلى بدايات القرن الحادي عشر أيام الخليفة الفاطمي أبو علي المنصور، ولا يمكننا فهم عقيدة وطقوس الدروز دون فهم شخصيتين محوريتين في هذه الطائفة هما الحاكم وكبير سَدَنته حمزة بن علي وهما من سنتحدث عنهما في جزئنا هذا

أما الحاكم، فلما تولى الخلافة بعمر 11 عاماً جعل له والده ثلاث أوصياء ما لبثوا أن اختلفوا فيما بينهم بُعيد موت ابوه، مما مكن الحاكم من التفرد بهم وقتلهم واحدا بعد الآخر، وكان معروفا فيه حبه بقطع أيدي موظفيه، وبركب الحمار دون غيره.

كان الحاكم شديد تقلب المزاج، فجرب الغاء الزكاة، وألغى الحج، وألغى صلاة الجمعة في رمضان وصلاة العيدين، وأمر بسب الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، وأمر بكتابة السباب على أبواب المساجد والمقابر والمحال التجارية، وأمر الناس على المجاهرة بسبهم ثم أبطل ذلك، بل وأعاد الأمر بالترضي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم

وأما حمزة، فقد وُلد في نفس العام الذي ولد فيه الحاكم وهو من أصل فارسي هاجر إلى مصر وقربه الحاكم لذكائه، وقد بدأ حمزة الزوزني التخطيط لتأليه الحاكم، لكن محمد بن اسماعيل – والذي تنسب له طائفة الدروز – خالف خطة الزوزني وجاهر بتأليه الحاكم، فأثار حفيظة المسلمين وثاروا يريدون قتل الدُّرزي فهرب إلى الشام ليبدأ من هناك بنشر دينه في وادي تيم بين أتباع الفاطميين الأوفياء، أما حمزة الزوزني، فقد جاهر بدينه بعد ذلك بعام بعد أن شاع أمر الدعوة الدرزية، فعمل مع مجموعة من الدعاة على نشر المذهب وأرسل إلى أقطاب الدولة الفاطمية يدعوهم إلى تأليه الحاكم، وكل ذلك تحت نظر الحاكم لكن دون أمر مباشر ظاهر، وعند موت الحاكم اختفى الزوزني وكان بديله “بهاء الدين السموقي” والذي خاف من دخول شرائع جديدة في الدين الدرزي، فأعلن اغلاق باب الاجتهاد في الدين الا رسائل وكتب الحاكم والزوزني وبهاء الدين، ولبهاء الدين مساهمة كبيرة في ترسيخ الدرزية، حيث عمل على مراسلة الأتباع الذين ظهر انقلابهم بعد موت الحاكم والزوزني وقرعهم لنقضهم تلك المواثيق عبر مجموعة من الرسائل ضُمت لاحقا لمجموعة “رسائل الحكمة”.

الظاهر أن خلاف نشتكين مع الزوزني سببه الأساسي رئاسة الدعوة، وهو ما حدى بنشتكين التعجيل بالجهر ليسبق صاحبه إلى قلب الحاكم، وقد ارسل الحاكم لنشتكين إلى الشام بعدما ضجَّت مصر بدعوى الدرزي وحاول العامة والجند قتله.

تأثر الدروز بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندوسية ، ويعتبر أفلاطون من أهم الفلاسفة لديهم. كما يؤمنون بتناسخ الأرواح وبتجسد الذات الإلهية في الحاكم وفي أربعة قبله احدهم الصحابي ابي ذر الغفاري.

لا يقبل الدروز دخول اناس جدد في دينهم، لأن الأرواح المؤمنة عندهم قد تم إيمانها أيام الحاكم الفاطمي وانقضى من ذلك الوقت زمن الإيمان والتوبة.

لدى الدروز كتاب مقدس اسمه “المنفرد بذاته”، وفيما يلي اقتباس من فاتحة كتاب الدروز

(به، والحمد له على هذا النور، والشكر والفضل لذوي الصلات موالينا الحدود، صلى الله عليهم ومن قبل ومن بعد، والموحدون في صياصيهم يرجعون ما أمر المولى به أن يوصل.. الحمد أبدأ للذي وفقنا لحفظ الحكمة في صدورنا من مصحفه المنفرد بذاته)

يضاف لكتاب “المنفرد بذاته” عدة كتب تُعتبر محورية في الدِيانة الدرزية منها رسائل الحكمة المأخوذة عن مراسلات الحاكم والزوزني، ومنها أيضا النقض الخفي الذي نقض فيه الزوزني أركان الإسلام وعددا من الشرائع، وميثاق ولي الزمان وهو ما يعلم للعامي عند بلوغه الأربعين.

ينقسم المجتمع الدرزي إلى طبقتين رئيسيتين، هما طبقة الروحانيين وطبقة الجثمانيين، أما الروحانيين فينقسمون إلى رؤساء وعقلاء وأجاويد وأما الجثمانيين فينقسمون إلى رؤساء وجهال

والروحانيون هم القائمون على شؤون الديانة ويختلف اطلاعهم على أسرارها باختلاف رتبتهم، وأما الجثمانيون فليس لهم من أمر الدين شيء إلا اتباعه.

يمتلك الرؤساء الروحانيون مفاتيح الديانة العامة وأما العقلاء فبيدهم مفاتيح الأسرار الداخلية وأما الأجاويد فبأيديهم مفاتيح الأسرار الخارجية، وبأيدي الأمراء الجثمانيين مفاتيح الأسرار الخاصة

الإمارة عند الدروز تنحصر في عدة عائلات أهمها آل رسلان وآل جنبلاط وآل الأطرش وآل الشهابي

يرجع أصل الدروز إلى تنوخيين ومعنيين، وهم من حلوا أرض معرة النعمان قبل الفتح الإسلامي ثم نقلهم الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور إلى وادي تيم اللات ليواجهوا الموارنة، فنزلوا هناك واشتبكوا مع الموارنة في عدة معارك وانتصروا عليهم فاستقر لهم الأمر في وادي تيم وجبال لبنان

في عام 1711 تحارب الدروز مع الموارنة
مرة اخرى، فانتقلت مجموعات منهم إلى جبل حوران واستقروا هناك حتى يومنا هذا

تميز الدروز بالانغلاق على أنفسهم وقلة حروبهم فيما بينهم، والفزعة لبعضهم البعض، وبقي هذا عهدهم حتى مجيء النصيريين إلى سوريا فانقسم الدروز في لبنان إلى حزبين أحدهما بقيادة آل رسلان وهم مؤيدون للنظام النصيري والآخر بقيادة الجنبلاط وهم معارضون للنظام، ومن المعلوم أن حافظ الأسد اغتال كمال جنبلاط مما زاد من الهوة بين الفريقين.

حاول ابراهيم باشا ابن محمد علي السيطرة على جبل الدروز بعد رفضهم الانصياع لقوانينه، واستطاع خلال تقدمه الدخول إلى خلوات البياضة في الجبل، وصادر عددا كبيرا من الكتب وحملها إلى القاهرة فتمت دراستها من قبل الأزهر وحينئذ عُرفت عقائد الدروز التي بقيت سرية طوال عمر دعوتهم، وبعد دراستها أصدر الأزهر فتوى بأن الدروز ليسوا مسلمين، وبقي الوضع هكذا حتى مجيئ جمال عبد الناصر الذي ربطته صداقة متينة بكمال جنبلاط فأعاد له الكتب المصادرة

ويذكر ايضا ان زعامة الدروز انتقلت من آل حمدان إلى آل الأطرش بعد حرب أهلية في الجبل سنة 1868 وبقيت الزعامة فيهم إلى تاريخنا

عند بدئ الثورة العربية الكبرى بقيادة شريف حسين، أعلن الدروز تأييدهم له وكان ذلك بقيادة سلطان الأطرش الذي تنسب له قيادة الثورة السورية ضد الفرنسيين، بعد وعد بريطاني لهم بحكم مستقل.

بعد الانتداب الفرنسي حاول الحاكم الفرنسي غورو أن يستقطب الدروز بفكرة الدولة المستقلة واتفق مع سامي الأطرش ورفع علمهم المكون من خمسة ألوان ثم ما لبث البريطانيون أن أقنعوهم بكذب الفرنسيين فكان ذلك من أسباب الشقاق مع الفرنسيين.

مع بدء ثورات الربيع العربي، انقسم الدروز بين مؤيد للحكم النصيري ورافض له، وعند تحرير الثوار لمدينة حضر الدرزية، كتبت الصحف الإسرائيلية في اليوم التالي أن “إسرائيل لن تسكت عن تعرض الدروز في سوريا لخطر وجودي” وطلب من فصائل الجيش الحر عبر الأردن بالانسحاب.

بعد احتلال درعا من قبل النظام النصيري، أحس الدروز أن دورهم التالي بعد حوران، خصوصا مع ضعف نفوذ النظام في أرضهم فأعلنوا عن تشكيل مجموعة من الكتائب، وأعلنوا عن رفضهم الالتحاق بالخدمة العسكرية “ليموتوا في سبيل بقاء بشار الأسد”، وقد حاول النظام مرارا إخضاعهم بالترغيب وشيء من الترهيب، ولم يتم له الأمر حتى الآن. ولا زالت أحلام الاستقلال بدويلة درزية تراود الدروز فهل نشهد انسلاخا قريبا لمحافظة السويداء أسوة بمناطق الأكراد؟

————————————————————
المصادر
موقع النسابون العرب
محمد عبدو عنان – أسرار الدعوة الفاطمية
محمد كامل حسين – طائفة الدروز تاريخها وعقائدها

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*