الاستراتيجية أساسيةٌ لا ثانوية

نشأ مصطلح الإستراتيجية أول ما نشأ في المجال العسكري وعُرفت بأنها تعني الخطة للوصول إلى الهدف النهائي أو البعيد المدى بناءً على ذلك قسّمت الأهداف عند التخطيط إلى أهداف آنيّة ومرحليّة ونهائية أو بمصطلحات العسكرة تكتيكية وعملياتية واستراتيجية.

الإستراتيجية تعرف على أنها الجسر الواصل بين المتضادين (الوسائل, الأهداف), أي أنها الخطة التي يرسمها القائد ليستخدم وفق آلياتها الإمكانات المتوفرة بين يديه ليحقق فيها مجموعة من النجاحات المتراكمة التي تكوّن بمحصلتها النجاح النهائي الكبير.

الاستراتيجية العسكرية هي همزة الوصل بين الوسائل العسكرية والاقتصادية والإجتماعية والأهداف السياسية, وعدم وجود الاستراتيجية يجعل الحرب عبثيّة لا معنى لها يدخل فيها الطرفان في دائرة من العنف المتبادل والمتصاعد والذي سيؤدي في محصلته إلى تكاليف تزيد عن الدافع السياسي المولّد لهذه الحرب.

في المجال العسكري وجود الإستراتيجية الواضحة التي تساعد على تحقيق الهدف الإستراتيجي عامل أساسي لتحقيق النصر في الحرب, وبدونها يدخل القائد في نجاحات آنية لكنها ليست ضمن رؤية أو خطة استراتيجية واضحة فتصبح هذه النجاحات نجاحات لذاتها تعاني من مشكلة رئيسية وهي أنها مؤقتة ولحظيّة تزول بزوال العوامل المولّدة لها, وهو ما أكده الفرنسي فينسونت ديبورت بقوله (الأخطاء التكتيكية يمكن تلافيها في حال وقعت ضمن استراتيجية ناجحة, أما الفشل الاستراتيجي لا يمكن تلافيه ضمن نجاحات تكتيكية متتالية)

كما لا يكفي وضوح الإستراتيجية فقط لتكون ناجحة فالجميع قادر على أن يضع هدفاً استراتيجياً رائعاً بل وغايةً في الروعة, الإستراتيجية الناجحة تحتاج لأن تكون واقعيّة, ممكنة التطبيق, حاملةً لعوامل الحشد والتجنييد, يدرك القائد أبعادها وأدواتها وأساليب تنفيذها في كل مراحلها.

والشرط الآخر لتكون الإستراتيجية ناجحةً فعّالة هو أن تكون خادمةً للهدف السياسي لا محققةً له فقط, والفرق بين الصفتين (خادمة, مُحققة) هو أن الإستراتيجية الخادمة للهدف السياسي هي التي تحقق الهدف السياسي وتحافظ عليه من خلال تلاؤمها مع المناخ السياسي الذي يلي التفوق على الخصم وامتلاك موارده, فإن لم تكن الإستراتيجية قادرة على ذلك صارت استراتيجيةً مُحققةً للهدف السياسي غير قادة على الحفاظ عليه فتكون بذلك تحمل في داخلها بذور المقاومة للهدف السياسي ذاته الذي حققته من خلال إذكاء روح المقاومة عند العدو بأساليب جديدة مغايرة للأساليب التي اتبعتها لتقضي على مقاومته ابتداءً كما فعلت الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في العراق (كما وضح الباحث جون ستون في كتابه الإستراتيجية العسكرية, سياسة وأسلوب الحرب) فبعد أن حققت إقصاء صدام حسين عن الحكم لم تستطع بناء حكومة جديدة تحقق مصالحها في المنطقة وتبني بلداً مستقراً أمنيّاً لا تنطلق منه المشاكل والقلاقل تجاه أمريكا, ما فعلته هذه الإستراتيجية هي أنها أفقدت أمريكا السيطرة وتشظّت العراق وصار أعداء أمريكا فيها أكثر من ذي قبل وأساليبهم مختلفةٌ عن ذي قبل, وفي هذه الحالة يقال عن الإستراتيجية هنا أنها حققت سيطرةً ولم تحقق نصراً كما هو الحال أيضاً مع الأسد في درعا فهو سيطر على الأرض لكن استراتيجيته دفعت الثوار إلى انتهاج طرق جديدة في المقاومة مما يدل على أن إرادة الثوار لم تخضع لإرادة الأسد وبالتالي يمكن القول أن الأسد سيطر على درعا ولكنه لم ينتصر فيها.

ومن صفات الإستراتيجية الناجحة هي تطابق القول فيها مع الفعل, فلن يكون القائد مالكاً لخطة استراتيجية إن لم يكن مُنَفّذاً لها, وأبرز مثال على ذلك هي ايران حيث أن هدفها الإستراتيجي المعلن هو القضاء على أمريكا والصهاينة نصرةً للمسلمين, لكن فعلها هو شن الحروب تلو الحروب على المسلمين, والهدف من هذه الصفة في الإستراتيجية هو التفاف الجنود حول القيادة والسير خلفها نحو هدفٍ واضح.

يتبع…
@norsfs

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*