تطبيق نظرية الحرب الطويلة على التمردات

نورس للترجمة
NORS FOR TRANSLATION
يقدم
ترجمة لمقال بعنوان
تطبيق نظرية الحرب الطويلة على التمردات
بقلم المحلل التكتيكي سكوت ستيوارت والذي نشره موقع ستراتفور.

(((((النقاط الرئيسية

● على النقيض من الاستراتيجيين العسكريين الغربيين التقليديين، يسعى قادة المتمردين إلى إطالة أمد المعارك من أجل القضاء على خصومهم الأقوى في نهاية المطاف.
● هناك أوجه تشابه قوية بين ما يشهده تنظيم الدولة حاليا وما شهدوه في عام 2010 عندما كانوا حركة حرب العصابات.
● قد تبدي حركة طالبان مبادرات فيما يتعلق بالمفاوضات، لكن من غير المرجح أن يتابعوا المحادثات حقاً لأنهم يعتقدون أنهم قادرون على الصمود في مواجهة الأميركيين في أفغانستان.)))))

في 12 أغسطس تمرد المئات من الجنود النيجيريين في المطار في مدينة مايدوجوري شمال شرق نيجيريا، واحتلوا مدرج المطار وأطلقوا النيران في الهواء وعرقلوا الرحلات الجوية. كان الجنود يحتجون على أوامر بإعادة نشرهم في منطقة بحيرة تشاد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية غرب إفريقيا (ISWAP)، وهي جماعة كانت تعرف سابقاً باسم بوكو حرام، والتي كانت تشن سلسلة من الهجمات القاتلة على القواعد النيجيرية في المنطقة. أخبر المسؤولون العسكريون الجنود بأن عملية الانتشار ستستمر أقل من عام، لكن الجنود صرحوا لصحيفة فانغارد نيوز النيجيرية الجنود بأنهم سبق لهم أن خدموا عددا من السنوات وتم استدعاؤهم إلى الخطوط الأمامية مرة أخرى لمحاربة جماعة أعلنت الحكومة هزيمتها – مبكرا إلى حد ما – من قبل الرئيس محمدو بوهاري بعد فترة وجيزة من بيعة جماعة بوكو حرام لتنظيم ادولة الإسلامية في مارس 2015.

(((((الصورة الكبيرة
وكثيراً ما أعلن القادة السياسيون في جميع أنحاء العالم النصر على الجهاديين وغيرها من الجماعات المتمردة بعد الحملات العسكرية. ولكن سواء في العراق أو نيجيريا أو في أي مكان آخر، فإن مثل هذه الإعلانات غالبا ما تكون سابقة لأوانها حتى تعود جماعات المتمردين إلى الصدارة. إحدى طرق تفسير عودة الظهور هذه هي نظرية الحرب الطويلة، التي تهدف فيها مجموعات المتمردين إلى النصر من خلال معارك الاستنزاف، بدلاً من النجاح السريع في ساحة المعركة.)))))

تم الاحتجاج في نيجيريا خلال هجوم لطالبان في غزنة في أفغانستان. وتمكن المسلحون من الاستيلاء على المدينة وسيطروا على مقر الشرطة قبل التراجع. ووفًا لمجلة long war، فإن حركة طالبان – التي انسحبت من أفغانستان بعد أن هزمتها الولايات المتحدة في ساحة المعركة في أعقاب غزو عام 2001 – تسيطر الآن على 47 مديرية من أصل 398 مديرية في أفغانستان في الوقت الذي تتنازع فيه على 198 أخرى.
في هذه الأثناء في 15 أغسطس صرح المتحدث باسم البنتاجون القائد في البحرية شون روبرتسون في مؤتمر صحفي بأن “تنظيم الدولة الإسلامية ربما يكون أكثر قدرة من القاعدة في العراق في ذروة قوتها في 2006-2007”. كان هذا التصريح مدهشا نظرا لأن التنظيم خسر الجزء الأكبر من الأراضي التي كان يسيطر عليها عندما أعلن الدولة الإسلامية (الخلافة) في يونيو 2014، وتعرض لضربة شديدة من جراء الغارات الجوية للتحالف والعمليات البرية التي شنها الحلفاء المحليون لمدة تقرب من أربع سنوات متتالية.
ما يربط بين هذه الثلاث قصص معا هو أنه في كل منها، استمرت القوة المنهارة في القتال بعد أن تكبدت خسائر كبيرة في ساحة المعركة وتخلت عن معظم أراضيها السابقة، إن لم يكن كلها. ولكن بعيداً عن إجبار مثل هذه الجماعات بالتخلي عن القتال، فإن الهزائم لا تمثل سوى هزائم مؤقتة، حيث أن الجميع يتبعون استراتيجية حرب طويلة يمكن فيها التغلب على الهزائم في نهاية المطاف بالصبر والمثابرة والثبات.
النظر طويلا في الحرب
بنيت معظم العقيدة العسكرية الغربية التقليدية على مفاهيم الحرب الحديثة التي صاغها المنظرين مثل كارل فون كلاوزفيتز وأنطوان هنري جوميني ونابليون بونابرت. المفهوم الأساسي وراء عقيدة الحرب السريعة هو تثبيت العدو والاشتباك معه في معارك حاسمة تدمر قدرته على شن الحرب وتنهك إرادته لمواصلة القتال. ربما كانت سنوات الحرب مع العصابات في أفغانستان والعراق قد أجبرت الجيش الأمريكي على اعتماد دليل جديد لمكافحة التمرد في عام 2006، ولكن كان من الصعب على القوات الأمريكية أن تتحرر من العقلية التي حددها فون كلاوزفيتز وغيره. لا يتحمل الجيش المسؤولية كلها عن هذا الارتباط بالقديم، ولكن السياسيين والجمهور في البلاد لا يمتلكون في العادة الكثير من الصبر أو الاهتمام لفترة طويلة. والدليل على ذلك، لا تحتاج أكثر من تنظر إلى خطاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في مايو 2003 بعنوان “المهمة أنجزت” أو انسحاب الرئيس باراك أوباما الصوري من العراق.
يتناقض نهج الحرب السريعة هذا بشكل صارخ مع العقيدة الأساسية لحرب التمرد كما حددها الخبراء الاستراتيجيون في حرب العصابات مثل ماو تسي تونغ وتشي غيفارا وفوي نغوين جياب (الفيتنامي)، ومؤخراً أبو بكر ناجي (صاحب كتاب إدارة التوحش)، أو حتى أسامة بن لادن. ولأن الضرورة الملحة لمقاتل حرب العصابات هي البقاء على قيد الحياة، فإن نظرية المتمردين تدعو إلى شن هجمات عندما تكون أوضاع ساحة المعركة مواتية وتتراجع عندما لا تكون كذلك. من الأفضل أن تعيش للقتال في يوم آخر أكثر من الثبات والقتال، وبالتالي تعريض أنفسنا للتدمير بواسطة قوة متفوقة.
في الوقت الذي يسعى فيه القادة الغربيون إلى تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة، يهدف قادة المتمردين إلى إطالة أمد القتال وخلق حرب استنزاف طاحنة من شأنها أن تقضي على قوات العدو الأقوى بينما تسمح للمقاتلين ببناء قوتهم. إذا كان العدو غزواً أجنبياً، يسعى قادة المتمردين إلى مهاجمة القوات الأجنبية بالثبات والوحشية على أمل أن يؤدي هذا الإجراء إلى إجبار المحتل على الانسحاب من النزاع بمجرد أن تفوق تكلفة الدماء والعتاد مصالحه في تلك البلد. وسيسمح انسحاب القوة الأجنبية لقادة التمرد في نهاية المطاف بتحقيق انتصار حاسم على الأعداء المحليين. ومن الطبيعي إذا لم يكن هناك قوة غزو أجنبية فإن قادة المتمردين سيعملون ببساطة على إنهاك أعدائهم المحليين حتى يتمكنوا من التغلب عليهم.
بالنسبة لقادة حرب العصابات فإن السيطرة على الأرضية البشرية أكثر أهمية من السيطرة على الأرضية الجغرافية، مما يعني أن قادة المتمردين سيضحون بالأرض لفترة من الوقت لتعزيز قواتهم واستعادة المناطق في نهاية المطاف. هذا صحيح بالأخص عندما يكون هناك ملاذ آمن في أرض معادية أو دولة مجاورة يستطيع المتمردون التراجع إليها حتى يتمكنوا من التدريب والراحة وإعادة التجمع.
استخدم ماو وجياب مثل هذه الأساليب أحسن استخدام خلال حروب التمرد الناجحة، كما استخدمت الجماعات الجهادية مثل هذه الاستراتيجيات بشكل متكرر منذ عام 2001. تجاوزت طالبان وتنظيم القاعدة المركزي وحركة الشباب المجاهدين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق (يُعرَف الآن بالدولة الإسلامية) الخسائر الكبيرة في ساحة المعركة ومع ذلك نجت لتواصل القتال.

ولعل أفضل تعبير للمفهوم الجهادي لنظرية الحرب الطويلة يظهر في إدارة التوحش لأبو بكر ناجي التي نشرها في عام 2004. يشير المنظر إلى الحرب الطويلة على أنها “معركة الصبر” ويناقش حملات المتمردين التي منها الحملات المبكرة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، وكذلك أمثلة معاصرة مثل الحرب الأفغانية ضد الروس والجهاد في مصر والجزائر.
عند مناقشة الحرب الطويلة يضع ناجي هذه الملاحظة عن القوات الغربية، التي يشير إليها بجند الطاغوت: “لطبيعة نفسية الطواغيت ونفسية جندهم لا يستطيعون أن يبقوا تحت الضغط والتهديد مدة طويلة”. ويؤكد ناجي أن القائد الغربي لديه رغبتان رئيسيتان: “تقصير أمد المعركة بقدر الإمكان، وتجنيب جنوده الدم بقدر الإمكان لأنه يعلم أن ذلك سيرعب جنده وسيكون عاملاً من عوامل إطالة المعركة”. بالنظر إلى هذا الرأي فإن استراتيجية ناجي غير مفاجئة. “خطتنا بالنظر لكل المعطيات السابقة هي العمل على إطالة فترة المعركة عن طريق مقاومة أهداف العدو والمبادرة بتوجيه ضربات قوية وموجعة له”.
إدارة التوحش على الأرض
تمت قراءة إدارة التوحش على نطاق واسع من قبل أعضاء القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية – إلى حد أن البعض قد اقترح بأن أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة وأتباعه استخدموا الكتاب كبرنامج عمل لإنشاء جماعتهم. في الواقع ظهرت العديد من مفاهيم الكتاب في الدعاية الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية ولو أن التنظيم لم يذكر اسمه.
في كتابه تصور أبو بكر الناجي ثلاث مراحل في إنشاء الإمارات الإسلامية. تتضمن المرحلة الأولى “شوكة النكاية والإنهاك” حيث يسعى الجهاديون إلى شن هجمات إرهابية والانخراط في عمليات حرب العصابات من أجل إضعاف الدولة وخلق فراغ في السلطة. المرحلة الثانية هي “إدارة التوحش”. في حين أن البعض قد فهم أن هذا المصطلح ينطوي على استخدام الوحشية لترويع السكان، فإن العبارة تشير في الواقع إلى ضرورة إنشاء آليات لتلبية احتياجات الناس في خضم الفوضى. كجزء من هذه المرحلة الثانية تهدف الجماعات الجهادية إلى تزويد السكان بالأمن والغذاء والخدمات الأساسية الأخرى وإنشاء نظام محاكم شرعية وتشكيل جهاز استخبارات وتطوير مؤسسات لتثقيف الناس في الفهم الصحيح للإسلام وتدريبهم على القتال. لقد بذلت الجماعات الجهادية بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية جهداً كبيراً في هذه المهام الإدارية في سوريا والعراق، كما فعلت منظمات مماثلة في أماكن مزقتها الحرب مثل ليبيا وشمال مالي واليمن وأفغانستان والصومال. في المرحلة الأخيرة تسعى الجماعات الجهادية إلى تطوير سلطة إقامة دولة بالفعل (شوكة التمكين)، وهو ما اعتقد البغدادي أنه أنجزه في يونيو 2014.
ولأن مركز الدولة الإسلامية في العراق وسوريا قد فقد الآن معظم المناطق التي حكمها أو أدارها من قبل، فإن الجماعة تجد نفسها مرة أخرى في المرحلة الأولى، ولكن ذلك بالتأكيد لا يعني أنها قوة مهزومة تماماً. كما سبق لي أن كتبت هناك أوجه تشابه قوية بين ما تشهده الدولة الإسلامية اليوم وما واجهته في عام 2010. ويسعى التنظيم إلى “النكاية بخصومه وإنهاكهم” في العراق وسوريا من خلال الهجمات الإرهابية وعمليات التمرد، ومن الممكن أن تستعيد قوتها مرة أخرى. بعد كل ذلك شعار التنظيم هو “باقية وتتمدد”، التنظيم مازال باقياً، ومن الواضح أنها تسعى إلى التوسع مرة أخرى.
وبالمثل في نيجيريا يبدو أن تنظيم الدولة في غرب أفريقيا الذي يترأسه أبو مصعب البرناوي (خلفاً لأبي بكر شيكاو الذي تم عزله) يزداد قوة وقدرة كما يتضح من الهجمات الناجحة التي أطلقتها في الأسابيع الأخيرة ضد القواعد العسكرية. سوف يستمر التنظيم في خوض حرب استنزاف، وإذا ما سمح لها ذلك بالنمو فإنها ستقاتل من أجل الاستيلاء على الأراضي والسكان والاحتفاظ بهم.
أما في الشرق فقد ازدادت قوة طالبان إلى حد كبير، لدرجة أنهم يسيطرون الآن أو ينازعون على جزء كبير من أفغانستان. وبينما يبدون مبادرات حول التفاوض لوضع حد للصراع، فإنهم يعلمون أنه بعد ما يقرب من 17 عامًا من الحرب، أصبح الأمريكيون منهكين من القتال ويرغبون في الرحيل. وبناءً على ذلك فمن غير المرجح أن يقبلوا أي تسوية سياسية ليست لصالحهم بشكل كبير. علاوة على ذلك وبسبب قوتهم المستمرة تحاول دول مثل إيران والصين وروسيا إقامة علاقات أوثق مع طالبان. انعكاسا لإرادة الحركة وثباتها في إدامة الخسائر لأعدائها وإنهاكهم من القوات الأجنبية والمحلية، فإن مناورة الحركة بالحرب الطويلة توحي بأن الحركة ستظل طرفاً قوياً في مستقبل أفغانستان، وكذلك الجماعات الجهادية الأخرى التي تتبع استراتيجيات مماثلة في دول أخرى في أجزاء أخرى من العالم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*