انعكاسات الحرب على الإرهاب بعد 17 عام

نورس للترجمة
NORS FOR TRANSLATION
مركز نورس يقدم ترجمة لمقال بعنوان
مشكلة الثعبان: انعكاسات الحرب على الإرهاب بعد 17 عاما
نشره موقع war on the rocks بتاريخ 11\9\2018
هناك فائدة كبيرة في التفكير في صراعات بلدك أثناء الاستماع إلى صراع آخر، وبالأخص في مؤتمر عن ذكرى هجمات 11/9 ويُجرى بشكل سنوي. في المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب السنوي الذي عقد في نهاية الأسبوع الماضي في مركز هرتسليا متعدد التخصصات، حضرنا حلقة بعنوان: “إسرائيل وغزة: هدنة أم النصر” الهدنة هي كلمة عربية تعني “وقف إطلاق النار”، ولكن الإسرائيليين في هذا المؤتمر فهموها على أنها استراحة. حضر الجلسة مسؤولون أمنيون إسرائيليون وسياسيون يناقشون ما إذا كان من الصواب القيام بمفاوضات مع أعدائهم لغرض منع الصدامات الحدودية الأخيرة وإطلاق الصواريخ الدورية وقذائف الهاون وهجمات الطائرات الورقية الحارقة الموجهة على أهداف مدنية في إسرائيل. عضو الكنيست كسينيا سفيتلوفا من حزب الاتحاد الصهيوني الذي يمثل يسار الوسط الإسرائيلي، لخصت ببلاغة لفهمها لمبادرة الحكومة قائلة: “هذا ليس نصرا لإسرائيل، بل هو نصر للإسلام الراديكالي: الإسلام الراديكالي واحد، والعالم صفر. “وأوضحت لغة الجسد للمسؤول العسكري السابق في الحلقة، الذي دفعته خبرته في غزة إلى المجادلة في فوائد الهدنة، إلى جعل بيانه المقتضب دليلا على نقطة ضعفه. على أي حال، من يريد ان يكون مرتبطا بمجهود يراه البعض يرضي الإرهابيين، وخاصة من اليساريين في الطيف السياسي؟
وفي موضوع ذي صلة، أشار القائد الأمريكي لأفغانستان المنتهية ولايته مؤخرا ان “الوقت قد حان لإنهاء هذه الحرب”. وقد يفسر هذا الكلام بطرق عديدة، ولكن من الصعب عدم الاعتقاد بأنه يعكس القلق العالمي إزاء فشل الولايات المتحدة وشركاءها في إنهاء الصراع في الحرب الأوسع نطاقا ضد المقاتلين الجهاديين. أجبر المؤتمر ثلاثة منا -أعضاء الكلية الحربية البحرية الامريكية-على أن نستعير من المنظّر البحري ماهان وطرح اسئلة لاستذكار الماضي والبحث: كيف نقيم تطور تفكيرنا وممارستنا لمكافحة الإرهاب منذ 9/11؟ كيف تبدو هذه التأثيرات اليوم في التنفيذ؟ كيف سيتم تقييم النزاع خلال عشر سنوات؟

النظر في الماضي
في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أصدرت إدارات الولايات المتحدة المتعاقبة ثلاثة أهداف ثابتة:
أولاً- منع وقوع المزيد من الهجمات الكبيرة على وطننا.
ثانيا- العثور على المسؤولين عن هذه الهجمات ومعاقبتهم.
ثالثا- تحطيم الطاقات والقدرات الحركية للتنظيمات الارهابية العابرة للحدود ومنعها من أن تكون تهديدا مستقبليا. تتناقض هذه الأهداف المعقولة مع بعض الخطابات المصاحبة التي تكتنف “الحرب على الإرهاب”، التي غالبًا ما تحجب هذه الأهداف وتسعى إلى أهداف أعم، بما في ذلك القضاء على الإرهاب على أوسع نطاق، والقضاء على الإرهاب “المدعوم من الدول”، وإضفاء الطابع الديمقراطي على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، وتحقيق الأمن الكامل للأميركيين في الداخل والخارج.
نقدم نحن تقييما موضوعيا لكيفية نجاح الولايات المتحدة في تحقيق هذه الأهداف الثلاث، بغض النظر عن الخطاب السياسي في الوقت الحاضر، وأي آثار تآكل قد يكون لها على وضوح الهدف.
لوقف هجوم إرهابي كبير آخر، أعادت الولايات المتحدة تنظيم مؤسسات الأمن الداخلي ورفع مستوى فرض القانون والقدرات الاستخباراتية المحلية والدولية. وبينما تُعقِّد هذه الإجراءات جهود الجهاديين بشكل كبير لتنفيذ هجمات كبيرة على الولايات المتحدة، إلا أن هناك تكاليف اقتصادية واجتماعية لهذه المراقبة المتزايدة وانتهاكات الحكومة للحريات. في السعي وراء هذا الهدف، ارتكب قادتنا السياسيون أخطاء كبيرة، مثل غزو العراق، ظاهرياً لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل للجماعات الجهادية. ومع ذلك فإن هذا الجهد المتضافر لمنع هجوم كبير، بالمفهوم الضيق ولكن المهم، كان مثيرًا للإعجاب وناجحًا مع بقاء مخاطرة صغيرة.
استغرقت عملية البحث عن الجناة ابتداء من عام 2002 وقتاً أطول من المتوقع، ولكنها حققت الهدف في نهاية المطاف عندما قُتل أسامة بن لادن في عام 2011. ومع ذلك لا يزال أيمن الظواهري الذي يقود القاعدة طليقاً. لقد أدى تعويض الجهاديين لزعمائهم ببدائل فعالة، وصعود وريث بن لادن إلى إضعاف الإحساس بهذا النجاح. علاوة على ذلك فإن استخدام التعذيب للحصول على معلومات حول الهجمات الإرهابية ومواقع القادة قد قوض الجهود المستقبلية.
لم تفشل الولايات المتحدة وشركاؤها في شل الحركة الجهادية العالمية فحسب، بل إن المشكلة باتت بالأحرى من حيث الحجم أسوأ منذ الحادي عشر من سبتمبر. على الرغم من أن حملة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب قيدت قدرة الجهاديين على شن هجمات كبرى في الولايات المتحدة، إلا أنه لا يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة لأوروبا، حيث أدت الهجمات الإرهابية الكبيرة من قبل نشطاء الدولة الإسلامية إلى مقتل العشرات من الأشخاص وإصابة المئات. وقد أدى الانشقاق بين تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في 2013 إلى تعقيد الصورة في جمع المعلومات الاستخبارية، مما اضطر المحللين إلى تشتت البحث. لا يزال قادة كل من تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية يسيطرون على الميزات الخاصة بهم، وإن كان بطريقة متدهورة. إن شبكات القاعدة والفروع التابعة منتشرة، وغالبًا ما تركز على أعمال ضد دول محلية، وفي الوقت نفسه تكون مكرسة بشكل عملي للجهاد العالمي وتركز عمليًا على التأثير على السكان المحليين المسلمين. ومما يثير القلق أن هذه الحركات الجهادية المنتشرة أثبتت أنها عدو متكيف تعمل في عصر العولمة، مما أدى إلى انتشار الوسائل التقنية المثيرة للإعجاب والرخيصة لمساعدتها في كفاحها ضد الدول.
يتدرج تقييمنا لتحقيق هذه الأهداف في ترتيب تنازلي، من تحقق غالب الهدفين الأولين إلى تحقق غير كافي للأخير. إن الفشل في إدارة نمو الحركة الجهادية العالمية، وإدراك أنه حتى تدمير الخلافة لم ينهِ الحملة، يثيران الإحباط للسياسيين والعلماء والصحفيين والناخبين. والأسوأ من ذلك فإن درجة نجاح الهدفين الأولين ليست سوى تقييمات مؤقتة، وليست تقييمات نهائية. فهي تتطلب صيانة واهتمامًا لا حدود لهما. إن خيبة الأمل الناجمة عن ذلك، التي تفاقمت بسبب الأخطاء غير القانونية التي جعلت الصراع أكثر توسعا وكلفة، هي قضية خطيرة ستظل تترتب عليها عواقب عميقة إذا تركها قادة بلدنا من دون معالجة. لفهم مصدر هذا الإحباط، نقدم تشبيها لفهم تحديات مكافحة الإرهاب. مثل المقارنات هناك العديد من التشبيهات، ولا يوجد تشبيه مثالي، لكن هذا على سبيل المثال.
المشكلة مع الثعابين البورمية
حدثت في فلوريدا مشكلة صغيرة مع الثعابين البورمية، وهذا غريب كما قد يبدو. في عصر العولمة، هربت ثعابين الأصلة البورمية المستوردة بطريقة ما إلى إيفرغليدز، بالتحديد في أعقاب إعصار أندرو في عام 1992. وقد تكاثرت من العشرات إلى عدد يقدر بمئات الآلاف وهذا التقدير لا يدل على هامش خطأ صغير، بل انعكاس لصعوبة تقييم التهديد. توصف هذه الثعابين بأنها الأشد افتراساً، وتم ربط بين عاداتها التكاثرية ونظامها الغذائي الشره وبين إبادة أرانب المستنقعات ومجموعات صغيرة من الثدييات في إيفرغليدز. الهدف المعلن من العلماء وواضعي السياسات المكلفين بكسب “الحرب” على الثعابين هو تقليل الأثر البيئي إلى “مستوى يمكن التحكم فيه”. لاحظ أحد العلماء أنه بينما كانت هناك أنواع غازية أخرى في فلوريدا، فإن الثعابين البورمية مقلقة بشكل خاص “وفكرة أن هذه الأفعى العملاقة التي لا تنتمي لهذه البيئة، لكنها موجودة فعلا في هذه البيئة بكثرة، هي فكرة مسيطرة على عقول الناس وقلوبهم بشكل مبالغ فيه”. طريقة التفكير هذه يجب أ، تكون مألوفة لجميع العاملين في مجال مكافحة التمرد والارهاب
إن أكثر وضوحا من فشل محاولة وقف نمو عدد الثعابين، هو فشلنا في الحد من حجم الجهاد العالمي، مع كل موجة من الموجات المتتالية تنمو بشكل أكبر وأكبر منذ أواخر السبعينيات. قبل عقد من الزمن، كان لدى دولة العراق الإسلامية بضعة آلاف من الأعضاء. في الآونة الأخيرة زعم البنتاغون أنه قتل أكثر من 60 ألف عضو. لدى الدولة الإسلامية ميزات جديدة في جميع أنحاء العالم ويقدر آخر تعداد لهم بعشرات الآلاف. مشكلة الجهاديين مثل مشكلة الثعابين، فقد يكون أصلها مثيرًا للاهتمام، ولكنه ليس مفيدًا في إيجاد أي حل. وقد تكيفت الثعابين البورمية مع بيئتها الجديدة، يكاد يكون من المستحيل العثور عليها، وبينما أن هذه الثعابين أقل من أن تشكل تهديدا مباشرا للبشر فإنها تؤثر بشكل جذري على نظام بيئي دقيق مع عواقب مجهولة. إن الجهود المبذولة لتوسيع صيد الثعابين من قبل السياسيين تحدث تأثيراً ضئيلاً على المشكلة. تشبه هذه الديناميكيات في جوهرها إلى حد كبير جهودنا الحالية للحد من الإرهاب.
جميع المقارنات والتشبيهات لها نقاط ضعف، وهذا المثال يعاني من ضعف كبير: فعلى عكس الثعبان، يقتل الإرهابيون الناس بأعداد متزايدة وبمنحنى تصاعدي. في عصر يتميز بالانتقال السريع للتقنية، وعلى الرغم من نصح البعض على أن الإرهاب مشكلة غير مهمة نسبيا، فإن خطر حدوث هجوم إرهابي واسع النطاق يتزايد بشكل مستمر. إن إخفاقاتنا السابقة تؤدي إلى تآكل العزم على مواجهة هذا الهجوم المستقبلي ومحاولة منع حدوثه، وهذا يتفاقم بسبب أزمة العجز التي تلوح في الأفق – وجزء من الأزمة يغذيها هذا الفشل المكلف نفسه – الذي سيحد بشكل طبيعي من قدرتنا على التصرف. إن زيادة الأخطار الأخرى على التعاون الدولي والقواعد الدولية (بل نجرؤ ونقول النظام الدولي) ستزيد من تعقيد خطر الإرهاب وإشغالنا عنه. كيف سنتمكن من اجتياز العقد المقبل دون خسارة كبيرة في حياة المدنيين؟
توقعات ومستقبل الحروب التي لا نهاية لها
هناك ثلاثة عوامل نعتقد أنها ستحدد المسار المستقبلي للجهود العالمية للحد من الأنشطة الإرهابية وما يرتبط بها من خسائر في الأرواح والممتلكات. يركز العامل الأول على ما إذا كان يمكن تحقيق فهم مشترك وتقييم أكثر واقعية لطبيعة النزاع. هذا الفشل هو أصل الجهود الضائعة والأخطاء وخيبات الأمل. يعتمد العامل الثاني على إدارة الموارد النادرة لمواصلة الحرب حتى النهاية ضد الجهاديين في عصر التهديدات المتعددة. والعامل الأخير، سيتم تحديد النتيجة من خلال قدرة صانعي السياسة على تشكيل ائتلاف دولي لهزيمة أعضاء الحركة الجهادية العالمية، التي هي منقسمة في الوقت الحالي، مع ذلك تتشارك في الأهداف.
الحرب على الإرهاب، أو الحرب مع أخطاء؟
المفارقة في مؤتمرات حول الإرهاب في القرن الحادي والعشرين هو أنك نادراً ما تجد كلمة “الحرب” المذكورة. في الواقع فإن معظم التعريفات التقليدية للحرب – بما في ذلك التعريف الذي اقترحه منظم المؤتمر، بواز غانور – استبعدت على وجه التحديد الهجمات على الأهداف العسكرية الإرهابية. إن أنصار هذا التعريف يرغبون في زيادة التعاون بين الأطراف الفاعلة الدولية ويخشون من نزع الشرعية عما قد يسميه البعض مقاتلي الحرية الذين يثورون ضد القمع الوحشي. هذه هي المشكلة في سوريا، حيث يضع منتقدو الجمعيات المجابهة لجرائم الأسد ضد شعبه، يضعونهم عمداً مع الانتهازيين الجهاديين، الذين لديهم أهداف سياسية منفصلة تماماً. ونتيجة لهذا الاستبعاد للهجمات على الأهداف العسكرية – التي غالباً ما تشمل الشرطة والعاملين بالحكومة- يصبح الخبراء مرتبكين حول ما هو الإرهاب وما هو غير ذلك. وبالنظر إلى أن المتمردين يستخدمون دائما الإرهاب في حملاتهم للسيطرة على الدولة، فإن الخط الفاصل بين الإرهاب والتمرد دائماً غير واضح.
إن خطأ إدارة بوش في وصف الصراع على أنه “حرب على الإرهاب” ولد نفوراً عند التفكير في اعتبار هذا الصراع حرباً، والذي أصبح في وقت لاحق أمر لا مفر منه إما بسبب أخطائنا أو لأنه أصبح حتميّاً علينا. بغض النظر عن الحالة فهذه هي الحرب الآن، ووصفها بهذه الكلمة أفضل بكثير للكلمة من استخدام الشامل لمصطلحات “الحرب الهجينة” و”الحرب السياسية” و”الحرب السيبرانية” و”الحرب الاقتصادية” و” الحرب على المخدرات ” وهكذا، خاصة عندما نشك في أن أي أمر يتعلق بالحرب يحدث أصلاً في أي من هذه المصطلحات التي تسمى حروباً وهي ليست كذلك. إن الجهد الحالي لإلحاق الهزيمة بالجهاديين تكاد تكون حربا بكل معنى الكلمة، بين العناصر العسكرية مع اختلال كبير في ميزان القوى (حرب غير متماثلة)، وبالرغم من ذلك يملك الطرف الضعيف القدرة على السيطرة على الأرض والسكان ويستخدم العنف ضد الطرف الآخر. من الشائع الاعتقاد بأن استراتيجية العدو هي استخدام الإرهاب للوصول للحالة النهائية. الواقع ليس بهذه البساطة. بدلاً من ذلك يستخدم الجهاديون الإرهاب ضد المدنيين والأهداف العسكرية كاستراتيجية متكاملة لإحداث الاحتكاك / الاستنزاف / الاستفزاز. نحن نرفض قبول هذا الواقع الجديد ونواصل إساءة فهم خصومنا الجهاديين وأهدافهم ونجاحهم النسبي في تحقيق نجاح متواضع حتى الآن. إن أي تركيز على هزيمة الخلافة، بدلاً من الاعتراف بالحقيقة المروعة في أن من صنعها في المقام الأول هم عشرات الآلاف من السكان المحليين (الأنصار) والمهاجرين العالميين، هو مثال جيد على هذا الفشل في الفهم.
جزء كبير من دور الحكومات هو في حماية مواطنيها من الأذى. عدم القيام بذلك له تداعيات كبيرة على السياسيين. وقال كوري شاكي عضو مجلس الأمن القومي لبوش أمام لجنة دراسة الدوافع وراء غزو العراق هذا العام أنه تم تذليل الحجج المنطقية ضد غزو العراق من خلال خوف ملموس من هجوم إرهابى أكبر، وهو هجوم حرص السياسيون من كلا الحزبين من ضمنهم تيار اليمين واليسار في كل حزب على منعه. وبناء على ذلك فقد أصدروا بأغلبية ساحقة تصريحًا لاستخدام القوة العسكرية في عام 2002. وبعد مرور ستة عشر عامًا ما زلنا غير قادرين على قبول حقيقة الحرب التي نخوضها، وقد استخدمت ثلاث إدارات هذا القانون لتبرير الحرب ضد القاعدة وتنظيم الدولة. نحن لا ننفذ سلسلة من الضربات العسكرية المعزولة بطائرات بدون طيار، بل حملات موسعة وهامة لا نهاية لها في الأفق.
أي التماسيح أقرب إلى الزورق؟
(مثل أمريكي يراد به الإشارة إلى ضرورة معرفة المرء أي التحديات الأكثر إلحاحا عليه مواجهتها، يأتي المثل كذلك بقول اقتل التمساح الأقرب إلى القارب، أي حل المشكلة الأكثر إلحاحا في حياتك من بقية المشاكل)
يتعين على الحكومات تحديد الأولويات لحماية مواطنيها، وتخصيص الموارد بكفاءة من أجل حماية مواطنيها وضمان سلامتهم. يظهر المخططون الاستراتيجيون الجدد لإدارة ترامب الرغبة في إعادة تشكيل توازن، بحيث يتم تحويل متابعتهم بدلاً من الحرب ضد الجماعات الجهادية بجميع طاقاتهم إلى ضرورة مواجهة الصين التي تتصرف على نحو متزايد باستخدام أسلوب “الهيمنة” – لا إقليمياً فحسب بل أيضاً على الصعيد العالمي. وقد لقيت هذه الخطوة المتأخرة ترحيباً من أجل التعامل بواقعية مع ظهور الصين باعتبارها تهديد جيوسياسي لموقف الولايات المتحدة كزعيم عالمي بلا منازع. الخوف من الاستثمار المفرط في الكفاح ضد الجماعات الجهادية، على حساب الاهتمام بالصين أو روسيا، هي مخاوف صحيحة ومعقولة تم تناولها في استراتيجية الأمن القومي الجديدة واستراتيجية الدفاع القومي.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ فهم الصين على أنها تهديد للولايات المتحدة بدلاً من اعتبارها منافسة للنفوذ السياسي والاقتصادي. في حين أن المنافسة على الموارد هي دائما لعبة محصلتها صفر (لا ربح ولا خسارة)، فإن تقييم المخاطر ليس كذلك. احتمال وجود تهديد صيني لمواطني الولايات المتحدة في عصر الردع النووي أقل من احتمال وقوع هجوم إرهابي ناجح على الأراضي الأمريكية، حتى لو كان الأول أكثر فتكاً. حتى لو قررنا التنافس بنشاط على بناء الجزر الصينية في بحر الصين الجنوبي، وكذلك على النفوذ في جنوب آسيا وأفريقيا، فمن غير الواضح إلى حد بعيد ما يمكن فعله فعلاً لوقف الزيادة الطبيعية في النفوذ الصيني نتيجة لزيادة قوتهم الاقتصادية. علاوة على ذلك من الممكن أن تؤدي الجهود الصينية الغبية والخرقاء في استخدام الأساليب القسرية ضد جيرانها في بحر الصين الجنوبي والنفوذ السياسي للتلاعب بالاعتبارات السياسية الداخلية في دول مثل أستراليا، إلى إثارة ردود فعل طبيعية متزايدة.
إن معضلة التعامل مع الصين الصاعدة هي مثال لمفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي نشره وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد حول أنها مفاهيم معروفة ومدركة التفاصيل. على الرغم من مؤشرات القوة المتنامية للصين والإرادة الجديدة في استخدامها، إلا أنه لا يوجد ما يشير إلى كيفية تأثيره على النظام الدولي الحالي – وهو النظام الذي أفاد الصين إلى حد كبير وربما يستمر في القيام بذلك. هذا من شأنه أن يعمل بمثابة أن هذه المفاهيم معروفة ولكن غير مدركة التفاصيل.
في المقابل تهديد الجهاديين “مفهوم ومدرك تفاصيله “، مع نواياهم المعروفة وتصميمهم على إقامة الخلافة كذلك معلوم. دون استبعاد أهمية الوعي المشترك الجديد بأن الصين يمكن أن تتطور إلى تهديد خطير للاستقرار وضرورة الحفاظ الموقف الأمريكي كزعيم للمجتمع العالمي، لا ينبغي أن نفشل في التعامل مع “المفاهيم المدركة التفاصيل”. ينبغي أن تكون الدروس المستخلصة من مطاردة مستقبل مهجول مألوفة بما فيه الكفاية لتعطينا وقفة تأمل.
تحالف الإرادات والقدرات
كانت الاستجابة الأولية لتأسيس الخلافة في عام 2014 متذبذبة، مما أدى إلى انقسام أولئك الذين حثوا على القضاء عن أولئك الذين نصحوا بالاحتواء. ألهمت الهجمات الإرهابية اللاحقة في جميع أنحاء العالم الدول للتحول البطيء إلى القضاء كخيار أفضل من الاحتواء، واليوم لم يعد هناك وجود للخلافة المزعومة. وعلى الرغم من هذا الإنجاز، لم يكن هناك سوى التزام محدود بإعادة الإعمار اللازمة لمنع عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية. لا تزال الدول تركز بشكل كبير على التهديدات المتوقعة ضد بلدها بالتحديد، وتحتفظ بموقف محدود في التعامل مع الجماعات الجهادية التي قد تنقسم من الناحية التنظيمية، ولكنها تتبع نفس الإيديولوجية. تحدد هذه العقيدة العسكرية واضحة المعالم بوضوح العدو والاستراتيجية والتكتيكات المتبعة للاشتباك. على الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، فإن هذا الاختلاف في الأهداف في قتال الإرهاب سوف يزداد على الأرجح بفضل الإدارة الأمريكية التي تتبنى نهج العمل لوحدها وازدراء فوائد التعاون الدولي والعمل الموحد. الشيء الوحيد الذي يمنع ذلك (يعني زيادة الاختلاف في الأهداف) حتى الآن هي الجهود التي يبذلها الدبلوماسيون والشخصيات الإدارية المخصصة للحد من خطر الإرهاب.
كانت إحدى النقاط المهمة التي ظهرت في مؤتمر مكافحة الإرهاب بمثابة نداء للدول كي تتحمل مسؤولية مواطنيها الذين ارتكبوا أعمالاً إرهابية في سوريا والعراق وأماكن أخرى. على الرغم من الفهم الجديد لمخاطر السماح للجهاديين ببناء شبكات جديدة حول العالم، فقد زادت الدول من سحب جنسيات المقاتلين الإرهابيين الأجانب لتجنب إعادتهم إلى الوطن. لتفادي الإزعاج وخطر إعادة هؤلاء الأفراد إلى أوطانهم ومحاكمتهم واعتقالهم وإعادة تأهيلهم، فإن الدول تلقي بالمسؤولية على الآخرين وتسهم في بناء الموجة الخامسة من الجهاد العالمي في المستقبل. واعترف أحد ممثلي الأمم المتحدة في المؤتمر بأن روسيا تتولى إعادة أبناء المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أجدادهم في بلادهم، في تناقض مثير للسخرية مع العديد من الدول الديمقراطية الليبرالية. وبينما تتعاون البلدان في مشكلة العمل الجماعي هذه، فإن غياب الولايات المتحدة من القيادة يشكل مشكلة.
ننهي هذا التحليل من خلال تقديم البجعة السوداء المحتملة المتعلقة بمكافحة أعداء الجهاديين (يقصد بمصطلح البجعة السوداء الأحداث الغير متوقعة ذات التداعيات الكبيرة على مجرى التاريخ، مثل الأزمة المالية العالمية 2008 واستخدم هذا الاصطلاح لما اكتشف علماء الحيوانات وجود بجعات سوداء في استراليا الغربية مما شكل صدمة لعلماء الحيوانات في وقتها). تجاهلت الولايات المتحدة وآخرين إلى حد كبير الأعمال الصينية المتعلقة بقومية من الإيغور، وهم مسلمون يعيشون في إقليم شينجيانج الغربي (تركستان الشرقية). إن التقارير التي تفيد بأن أكثر من مليون من الإيغور قد تم اعتقالهم واخضاعهم لإعادة التأهيل من قبل الحكومة الصينية بسبب معتقداتهم الدينية يمكن أن تكون مصدر إلهام للتوحد ودعم الجهاديين الذين يحاولوا جاهدين لكسب النصر، خاصة إذا كان القمع مصدر إلهام للثورة. إن أي شخص يستمتع بشيء من الشماتة حول هذه الأخطاء الصينية قد فشل في تعلم دروس أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحياة في عالمنا المعوّلم والمتشابك. قد تبدأ قضية الإيغور كمشكلة صينية، ولكنها لن تنتهي كمشكلة صينية بحتة (أي قد ستصبح عالمية بفضل تأثير الجهادي العالمي).

الخلاصة
كيف ستبدو بطاقة النتائج الخاصة بهذه العوامل الثلاثة خلال عقد من الزمان؟ من السابق لأوانه التكهن ولكننا لا نتوقع بداية جيدة. إن عدم الثقة في قيمنا بسبب أخطاء الماضي والانتهاكات المشينة لقيمنا هي التي تغذي الميل لخفض جهودنا ضد الجماعات التي تستخدم الإرهاب بسبب الاعتقاد بأننا نحن السبب في هذه الزيادة في الإرهاب. ومثلما كان غزو العراق مبالغةً في ردة الفعل مستوحاة من الخوف، فإن فك الاشتباك المحتمل بيننا وبين المتطرفين العنيفين يمكن أن ينتهي به الأمر إلى رد فعل مبالغ فيه للفشل في التأثير على مستوى العنف الإرهابي، ويستخدمه السياسيون الشعبويون لتبرير خفض النفقات. ينقسم النظام السياسي الغربي ويناقش بلا مبالاة احتمالات الحرب الأهلية، ويركز على الهوية على حساب الوحدة.
قد يدفعنا كره مفاهيم مثل الحرب المحدودة ضد الجهاديين (والتي تعني أهدافاً محدودة ومحدودية الموارد) إلى استخدام مصطلحات غير منطقية مثل النصر للحكم على النجاح، تمامًا مثل السياسي الإسرائيلي الذي يسمي المفاوضات مع حماس هزيمة في الحرب العالمية على الإرهاب. وإلى أن يتبنى سياسيونا هذه الاختلافات، أو على الأقل الامتناع عن استخدامها ضد خصومهم من الدول، فإننا لن نفهم أبدًا الحرب التي نخوضها، وهي حرب ستستمر. هذه الحرب تنفجر في نوبات ودفقات، وشدتها بين مد وجزر. إن ذكرى الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) هي وقت رائع للتأمل. تدين لنا حكوماتنا ببعض الحديث الحقيقي حول ما سيظل صراعًا طويلًا للحد من الهجمات الإرهابية حول العالم.
المؤلفين:
ديفيد إيه براون هو المدير التنفيذي للبرنامج الاستراتيجي البحري المتقدم والمدير المشارك لمركز الحروب غير النظامية والمجموعات المسلحة. تيم هويت ، هو جون نيكولاس براون رئيس منظمة مكافحة الإرهاب ، وأستاذ الاستراتيجية والسياسة ، والمدير المسؤول عن البرنامج الاستراتيجي المتقدم. كريج وايتسايد أستاذ في شؤون الأمن القومي. الثلاثة هم أعضاء هيئة التدريس في كلية الحرب البحرية الأمريكية. الآراء هي آراء المؤلفين ولا تعكس أي سياسة أو وجهة نظر رسمية لحكومة الولايات المتحدة

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf انعكاسات الحرب على الارهاب بعد 17 عامسبتمبر 23, 2018 3:08 م 682 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*