كيف يمكن لجريمة ارتكبها أسقف أن تغير الكنيسة القبطية

نورس للترجمة
NORS FOR TRANSLATION

نورس للترجمة يقدم ترجمة لمقال في موقع middle east eayبعنوان
كيف يمكن لجريمة ارتكبها أسقف أن تغيّر الكنيسة القبطية

صورة البابا المصري تواضروس الثاني وهو يقود قداس عيد الميلاد قرب القاهرة في السادس من كانون الثاني 2018.

في التاسع والعشرين من تموز وُجِدَ الأسقف أبفيانوس رئيس دير القديس مقاريوس
مقتولاً في ديره في وادي اللطرون التي تبعد 29 كيلومترا عن القاهرة في صحراء مصر الغربية.
وتم رمي جثته في إحدى ممرات الدير وسط بركة من الدم وبفتحة في رأسه حسب ما ذكرت وسائل إعلام محلية. وأشار التقرير الأولي للطبيب الشرعي أن الضحية ضُرِب على قفا رأسه بأداة صلبة. وصدم الحادث المجتمع القبطي وأثار الارتباك في الكنيسة نفسها.
وكانت الصفحة الرسمية على الفيسبوك للمتحدث باسم الكنيسة أول من نشرت خبر مقتل الأسقف باللغة العربية باقتضاب بعد الساعة الثامنة والنصف صباحاً بقليل. وفي المساء نقلت مصادر إخبارية محلية أن تحقيقاً رسمياً فُتِح، وأن المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية لاحَظَ أن الغموض يحيط بظروف الحادثة, وأنه تم استدعاء السلطات التي تقوم حالياً بالتحريات اللازمة.
في الثلاثين من تموز أعلنت الكنيسة أن الصلوات الجنائزية التي ستُقام في دير القدّيس مارقليوس ستقتصر على أعضاء المجلس المقدس للكنيسة القبطية والرهبان والكهنة وأعضاء مجلس الميلي وعائلة الأسقف. وسيتم إذاعة المراسم بشكل مباشر.
تاريخ الظلم
بعد ساعات قليلة من العثور على الجثة حضرت الشرطة بشكل مكثف وكذلك محققو الجرائم صعدوا الى الدير، وأشارت بعض التقارير الإعلامية أن أكثر من 60 محققاً شاركوا، ولأيام حققوا مع كل شخص في الدير. فموقع الجريمة داخل الدير بعيداً عن مباني الزوار يدل على أن القاتل ربما يكون واحداً ممن لهم حق الوصول الى هذه الموقع ويعرف الروتين اليومي للضحية.
وبعد الجريمة بأيام أعلنت الكنيسة القبطية أن الراهب أشعيا المكاري سيُحرَمُ لانتهاكه التعهدات بالطاعة والعفة والتقشف الاختياري التي قطعها للدير، وبعدها بيوم نقلت وسائل الإعلام عن محاولة انتحار لكاهن آخر اسمه فالتوس المكاري.
وبعدها في الحادي عشر من شهر آب أمر المحققون المصريون بتوقيف أشعيا المكاري لأربعة أيام على ذمة التحقيق في جريمة قتل الأسقف، وأشارت وسائل إعلام محلية للرابط بين فالتوس المكاري والجريمة، لكنه لم يُتهم وبقي في المشفى ليتعالج من تبعات محاولة الانتحار.
وبسبب تاريخهم الطويل من القمع تحت حكم الحكام المصريين المختلفين، فقد شهد الأقباط أوقاتاً عصيبة من أجل كنيستهم وكذلك أوقاتاً من الصحوة من خلال مناقشات فكرية جديّة. وفي بدايات القرن العشرين بدأ حبيب جرجيس حركة مدرسة الأحد، والتي انتشرت الى كل كنيسة قبطية حول العالم.
وكان الأبوان متّى المسكين ونظير الجيد الذي أصبح لاحقاً البابا شنودا الثالث شديد التأثير في تلك الفترة، وأثّر كتاب الأب متّى “حياة المصلين الأرثوذوكس” في العديد من المسيحيين ومنهم جيد نفسه الذي أصبح الراهب أنطوني وخَلَفَ الأب متّى لمدة طويلة.
وفي 1962 تولى انطوني دوراً قيادياً أكبر في الكنيسة وأصبح أسقف التعليم واتخذ اسم شنودا، وفي 1969 استدعى البابا كيرل الرابع الأب متّى وطلب منه إعادة الحياة الكنسية في دير القديس ماريقليس العظيم، بعد أن هُجِرَت لوقت طويل، وهكذا سكن الأب متّى وتلاميذه في الدير.
النزاع المتنامي
شبَّ خلاف بين الأسقف شنودا والأب متى، عندما أدان شنودا بقوة أفكار متّى ووصف بعضها بأنها هرطقات وفي عام 1971 أصبح الأب شنودا البابا شنودا الثالث، وبدأ بابويته التي استمرت لأربعة عقود تقريباً بعزل الأب متّى في الدير وحظر كتبه في الكنائس القبطية.
ويتعلّق الخلاف بين البابا شنودا الثالث والأب متّى برؤيتهما الى دور الكنيسة فمتّى أعلن صراحة في كتابه الدولة والكنيسة أن الكنيسة لا يجب أن تسعى لتمثيل المسيحيين أو تشكيل قيادة للمطالبة بحقوقهم في العالم. وأكّد أن الكنيسة لا يجب أن تهتم إلا بتوبة الناس. أما شنودا فقد كان منهمكاً في السياسة ومتحمساً لمد نفوذ الكنيسة الى الحياة الاجتماعية للأقباط.

الأسقف إبفانوس على اليسار, مع البابا تواضروس الثاني
لقد مثّلت الأديرة احتياطياً لعلم اللاهوت الأرثوذكسي، وكانت السيطرة على دير القديس مارقيلوس ذات أهمية للبابا شنودا، وفي 2006 تجاوز الأب متّى القيود وأوصل تراثه الخصب للمسيحيين من خلال كتبه وتلاميذه، وانتقل خلاف متّى مع شنودا الى تلاميذه، لذا قرر شنودا تعيين كهنة جدد يعتنقون رؤيته ليبدأ بعدها النزاع داخل الدير, خلافٌ كان يريد السيطرة عليه.
واستدعى مقتل الأسقف إبفانوس الخلاف الى الذاكرة، في الوقت الذي يحاول فيه البابا تواضروس الثاني معالجة العديد من المشكلات التي ورثها. ودعم تواضرس الثاني تلاميذ متّى وعيّن أحدهم كرئيس للدير، وسمح بقراءة كتبه في الكنيسة، وأثناء جنازة إبفانوس قال تواضرس الثاني أنه على مدى السنوات الخمس الماضية بعثه الى أكثر من عشرين مؤتمراً دينياً عالمياً, واصفاً إياه بأنه “أسقف مستنير ومنارة لكل من كان حوله”.
وأثناء محاولاته الوصول الى الكنائس الأخرى حول العالم وإحياء المدارس الأخرى لمفاهيم الإيمان المسيحي، دخل تواضرس الثاني في صراع مع الأساقفة الآخرين المحافظين، وأثار هذا أسئلة حول حادثة القتل الأخيرة والدافع المحتمل.
اعتراف
ذكرت تقارير إعلامية أن الدافع وراء الجريمة شخصي، فأشعيا المكاري الذي اُتُّهِمَ بالجريمة عُيّن من قِبَل البابا شنودا سنة 2010 كراهب وكاهن في الدير، وفي شهر شباط الماضي طلب الأسقف ابفانيوس من البابا تواضرس الثاني أن يبعد أشعيا بسبب انتهاكات خطيرة لتعهداته كراهب، ووجدت لجنة ثلاثية من الأساقفة أنه لم يطع رئيس الدير الذي يتبعه أو يساعد بالعمل في الدير، وعكف على استقبال الرهبان في غرفته في مخالفة للقواعد.
كما وجدت اللجنة أنه يشكّل جبهة لتقسيم الدير، ووافق البابا تواضرس الثاني على وضعه تحت المراقبة لثلاث سنوات في دير آخر، لكن أشعيا أقنع بنجاح مجموعة من الرهبان بتوقيع عريضة يطالبون بها البابا إبقاءه إن لم يكرر أخطاءه، وقيل إن الأسقف إبفانيوس كان سيفتح تحقيقاً جديداً عندما اكتشف مزيداً من الانتهاكات التي يرتكبها أشعيا، والتي يمكن أن تكون سبب الجريمة.
في الثاني من آب أعلنت الكنيسة القبطية اثنا عشرة قراراً لإعادة كسب أتباع في الحياة الرهبانية، وفي الوقت الذي يمكن أن تنحل فيه قضية مقتل الأسقف إبفانيوس فإن القضية فتحت جدالاً جديدا حول قضايا عديدة حول الكنيسة القبطية.
وبالنسبة للكنيسة كمؤسسة فقد سلّط الحادث الضوء على العديد من القضايا التي تخص الرهبنة في مصر: كيف ينظر الرهبان لأنفسهم، هدفهم، دورهم في الكنيسة والمجتمع، وكيف يصوغ هذا سلوكهم على المستوى الفردي و على مستوى المؤسسة، وكان هذا واضحاً تماماً في القرارات الاثنا عشر والتي تتحرك في الاتجاه الصحيح رغم مشاكل متراكمة على مدى سنوات وسلوكيات اجتماعية متجذرة ليس من السهل تغييرها.
تغيير أبدي
يوجد اعتباران للأقباط: أولاً، احترام الثقافة الدينية, فلمدة طويلة احتل القادة الدينيون مكانة مميزة في قلوب الأقباط وعقولهم وتصوراتهم، فقد رأوهم كقدوة لهم، فمن الصعب تصديق أن شخصاً ترك كل شيء خلفه وذهب الى الصحراء ليعيش حياة أقرب الى الله يمكن أن يرتكب خطيئة فظيعة كهذه، وهذا يفتح الباب لإعادة التفكير بمفهوم رجال الدين المسيحيين والمدى الذي يمكنهم التأثير فيه بحياة الناس.
الاعتبار الثاني هو التاريخ الممتد للظلم والتمييز والعنف ضد المسيحيين في مصر، فقد واجهوا عنفاً طائفياً ورفضاً شعبياً مما دفعهم لتشكيل مساحة آمنة لهم داخل جدران الكنيسة- وللرهبان والكهنة اليد العليا في هذه المساحة ويعتبرهم المجتمع المسيحي وكذلك الدولة المصرية ممثلين لهم.
لذا فإن السبب الأكبر لعدم طمأنينتهم اتجاه العديد من تفاصيل هذه الجريمة ليس فقط تحديد القاتل أو الدافع بل إنه مرتبط بالخوف من تشويه صورتهم في المستقبل من قِبَل المتشددين، أو لأن مثل هذه الجريمة قد تغذّي مفاهيم وصمهم بالوضاعة التي حاول المتشددون إسباغها عليهم في الماضي.
ولأجل هذا كله يوجد شيء واحد مؤكد: بعد جريمة قتل الأسقف إبفيانوس لن تكون الكنيسة القبطية والمسيحيون المصريون هم نفسهم.

كاتب المقال مينا ثابت: ناشط مصري ومدافع عن حقوق الإنسان وعمل مديراً لبرنامج الحريات المدنية وبرامج الأقليات في اللجنة المصرية للحقوق والحريات منذ 2014، ويدرس حالياً العدالة بعد الصراع وبناء السلام في جامعة ابردين وسكوتلاند وبريطانيا.

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf كيف_يمكن_لجريمة_ارتكبها_أسقف_أنأغسطس 31, 2018 8:55 م 837 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*