الأولويات والتحديات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا

نورس للترجمة
NORS FOR STUDIE

نورس للترجمة يقدم ترجمة حصرية لبحث
الأولويات والتحديات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا
الذي قدمه ستيفن كوك أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي في 6\9\2017

بيان أعده ستيفن كوك
زميل أقدم لمركز إني إنريكو ماتي Eni Enrico Mattei لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا
مجلس العلاقات الخارجية

أمام لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ في الولايات المتحدة
الجلسة الأولى، المؤتمر 115

الاستماع إلى الأولويات والتحديات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا

السيد الرئيس وأعضاء اللجنة:
شكراً لك وللأعضاء الكرام لدعوتكم للظهور أمامكم لمناقشة الأولويات والتحديات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.

منذ الخمسينيات من القرن العشرين، اعترف الرؤساء الأميركيون المتعاقبون بأن تركيا هي حليف مهم. حتى قبل أن تصبح عضوا في حلف شمال الأطلسي في عام 1952، أرسلت أنقرة قوات للقتال إلى جانب الأمريكيين خلال الحرب الكورية. خلال فترة الحرب الباردة ، لعب التعاون الأمني الأمريكي التركي دورًا مهماً في الاتحاد السوفياتي. كانت هناك مشاكل طوال عقود من الشراكة، بما في ذلك رسالة جونسون عام 1964، وغزو تركيا لقبرص في عام 1974، وحظر الأسلحة الأمريكي رداً على ذلك، والمناوشات الدبلوماسية والسياسية المنتظمة على قضية الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. ومع ذلك فإن التهديد الأبرز الذي فرضه الاتحاد السوفييتي على كلا البلدين كفل بمنع هذه الأزمات والمشاكل والمهيّجات من تعطيل العلاقة الاستراتيجية. إن هذا التاريخ هو الذي يواصل تأطير الطريقة التي تُفهم بها تركيا في المناقشات السياسية، لكن هذه الطريقة أصبحت قديمة. تتطلب التغييرات في تركيا والولايات المتحدة والسياسة العالمية منذ نهاية الحرب الباردة تتطلب إعادة تقييم العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا. يصعب على صانعي السياسة الأمريكيين إثبات أن العلاقات الثنائية تعكس “العلاقات الاستراتيجية” أو “شراكة نموذجية”. وكما أكد رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس مؤخراً بقوله: “قد تكون تركيا حليفةً، لكنها ليست شريكة”.
بعد عام 1991 ونهاية الحرب الباردة حافظ صانعو السياسة الأميركيون والأتراك على روابط استراتيجية وثيقة أثناء بحثهم عن مبرر جديد لهذه العلاقة. بالنسبة لبعض المحللين كان هناك سبب للاعتقاد بأن تركيا يمكن أن تكون حليفا مهما في عالم ما بعد الحرب الباردة كما كانت خلال المواجهة مع الاتحاد السوفياتي. في العقود التالية نُظِر إلى تركيا بين محللي السياسة الخارجية إما كدليل للدول التركية المستقلة حديثًا في آسيا الوسطى التي يتشارك مواطنوها بعلاقات ثقافية ولغوية مع الأتراك، أو كقائد للأمن والسلام في الشرق الأوسط، ومؤخرًا “كنموذج” للدول العربية الساعية لبناء مجتمعات أكثر ازدهارًا وديمقراطية. ولم يثبت نجاح أي من هذه المشاريع بسبب المبالغة في تقدير قدرات تركيا، والتقليل من شأن الموروثات التاريخية للسيطرة العثمانية على الشرق الأوسط، وعدم فهم السياسة الداخلية التركية والنظرة العالمية للقيادة الحالية للبلاد.
في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، سيكون قد مر خمسة عشر عاماً منذ وصول حزب العدالة والتنمية الحاكم (المعروف باختصاره التركي المعروف باسم AKP) إلى السلطة، وأطلق فترة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، ومن المفترض – كما يعتقد البعض بما فيهم أنا شخصياً – أنه ديمقراطي ليبرالي إصلاحي. أنتجت نجاحات حزب العدالة والتنمية الانتخابية استقرار حكومة الحزب الواحد، ومع ذلك استفاد الأتراك من الفرص الاقتصادية الجديدة وتطوير البنية التحتية وتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية. ومع ذلك كان هناك تراجع سياسي كبير. بعد ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن منذ بدء تركيا مفاوضات للانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، يبدو الأمر وكأنه حكومية استبدادية منتخبة أكثر من كونها ديمقراطية أوروبية. أشرف الرئيس رجب طيب أردوغان على عملية تم فيها إضعاف المؤسسات السياسية في البلاد أو إعادة تصميمها في خدمة مصالحه السياسية الضيقة وأجندة وطنية تحويلية.
لقد كان لتعميق الاستبداد في تركيا وتنمية تقديس شخصية أردوغان عواقب وخيمة على المثل العليا التي يعتز بها الأميركيون، بما في ذلك حرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية الصحافة، واحترام حقوق الإنسان. ومع ذلك ، من المهم ملاحظة أن أردوغان ليس دكتاتوراً صغيراً. إنه سياسي بارع بشكل غير عادي، والذي بشّر جماهيره الناخبة بسياسة أكثر انفتاحا وشمولية وديمقراطية.
لحظة التمكين هذه في تناقض صارخ مع ما يواجهه معارضي أردوغان. تعرضوا بشكل روتيني للإكراه والتخويف والعنف. منذ الانقلاب الفاشل في يوليو / تموز 2016، تم احتجاز أو اعتقال أو طرد أكثر من 200000 شخص من وظائفهم. تم إغلاق ما يقرب من 130 وسيلة إعلامية. ومن بين المعتقلين صحفيين أجانب فضلا عن مختصين دوليين وأتراك في مجال حقوق الانسان. تم اعتقال الأكاديميين الذين دعوا قوات الأمن التركية لتجنب الإصابات المدنية في النزاع مع حزب العمال الكردستاني (PKK) – وهي منظمة إرهابية – أو تمت إقالتهم من مناصبهم على الفور. كثير من المتورطين في مشاكل قانونية لا يستطيعون حماية أنفسهم إلا قليلاً لأنهم متهمون بأنهم أعضاء في منظمة “FETO” ، منظمة فتح الله غولن الإرهابية، التي تزعم الحكومة أنها وراء الانقلاب الفاشل. وقد تردد محامو الدفاع في القبول بهكذا قضايا خشية أن يتهموا هم أنفسهم بذلك. تتجاوز آثار هذه الحملة إلى حد كبير تلك التي تقع مباشرة في التطهير، وتؤثر على عائلات بأكملها وتدمر آفاقها المستقبلية. إن الاعتقالات واسعة الانتشار منذ يوليو 2016 ليست في الواقع تطوراً جديداً ، بل هي مجرد تسارع لعملية تطهير جارية منذ عام 2014.
غير أن الوضع المزعج في تركيا ليس مجرد مسألة تتعلق بالسياسة الداخلية. بل لها تبعات للعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا. إن شعبوية أردوغان وقوميته وسلطويته غالباً ما تظهر في العداء تجاه الولايات المتحدة وينتج عنها خيارات سياسية تتعارض مع المصالح والأهداف الأمريكية. هناك القليل من الأسباب للاعتقاد بأن هذا الوضع سيتغير. وكما لوحظ أعلاه واجهت العلاقات الثنائية الاضطرابات في الماضي، لكن الولايات المتحدة وتركيا تغلبتا على هذه الاختلافات بسبب المخاطر التي فرضها الاتحاد السوفييتي على أمن كليهما. لم يعد هناك تهديد مشترك أو مشروع كبير تشترك فيه الدولتان. على المستوى التجريدي، تتشارك كل من واشنطن وأنقرة في محاربة الإرهاب، لكن كل منهما يتهم الآخر بالعمل مع الإرهابيين في سوريا.
قائمة المخاوف الأمريكية بشأن السياسات والسلوك التركي هي واسعة إلى حد ما. وهي تشمل الشراء المحتمل لنظام الدفاع الجوي الروسي S-400؛ والتهديدات بإلغاء عقد استخدام الأمريكيين قاعدة إنجرليك الجوية، التي تقوم الولايات المتحدة عن طريقها بتنفيذ عمليات ضد تنظيم الدولة، وحيث تخزن تسعين من الأسلحة النووية كرمز للالتزام الأمريكي بالأمن التركي؛ ووعد بعمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في العراق، تتحدى فيه السيادة العراقية وربما تضعف رئيس الوزراء حيدر العبادي. في أغسطس سافر رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية إلى أنقرة لإجراء محادثات أمنيّة في أول زيارة من نوعها منذ الثورة الإسلامية في عام 1979. تركيا وإيران لديها مصالح متداخلة ومتضاربة في مناطق مختلفة من سوريا والعراق، وكذلك فيما يخص أمن الحدود والأكراد الانفصاليين. لذا من المنطقي بالنسبة لهم أن يسعوا إلى الحوار، لكن تجاوزات تركيا الحالية تَتَّبِعُ نمطًا سعى فيه المسؤولون الأتراك إلى استخدام علاقاتهم مع طهران كطريقة لتخفيف الضغط عندما يواجهون مشاكل مع واشنطن. إن ذوبان الجليد (الانفراج) بين تركيا وإيران يزرع عدم الثقة بين أنقرة وبلدان الخليج العربي. وهذا يضعف فقط جهود إدارة ترامب لبناء جبهة موحدة ضد طهران.
ثم هناك عزم لتركيا على الأقل لتعقيد الجهود الأمريكية لتدمير تنظيم الدولة في معقلها السوري في الرقة. يعارض الأتراك بشدة التحالف الأمريكي مع وحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا ضد تنظيم الدولة. تعتبر أنقرة بكل صدق هذه المجموعة مرتبطة بشكل لا فكاك منه بحزب العمال الكردستاني. أدت العلاقات الأمريكية مع قوات حماية الشعب الكردية عبر القوات الديمقراطية السورية إلى توتر العلاقات الأمريكية التركية أكثر من أي قضية أخرى. لدى الأتراك حجة شرعية حول وحدات حماية الشعب الكردية وعلاقاتها بالإرهاب، لكن أنقرة لعبت دوراً مهماً في دفع الولايات المتحدة وجماعة الأكراد السوريين للتقارب معاً عندما رفضت الحكومة التركية في صيف 2014 المناشدات الأمريكية لمحاربة تنظيم الدولة معاً. سعى وزير الدفاع جيمس ماتيس لطمأنة الحكومة التركية بأن الأسلحة المقدمة إلى قوات سوريا الديمقراطية سوف تخضع لرقابة صارمة وأن الولايات المتحدة لن تسمح لوحدات حماية الشعب وجناحها السياسي، حزب الاتحاد الديمقراطي، بإنشاء كيان حكم ذاتي أو مستقل على طول المناطق التي يطلق عليها الأكراد “روجافا Rojava” المتاخمة للحدود الجنوبية لتركيا. ليس هناك ما يشير إلى أن قادة تركيا يصدقون هذه الضمانات.
كما أن علاقات واشنطن العسكرية مع وحدات حماية الشعب تدفع علاقات تركيا مع طهران وموسكو. لدى تركيا وإيران – وكلاهما لديهما فئة عرقية كردية كبيرة- مصلحة مشتركة في قمع النزعة القومية الكردية والانفصالية. عندما يتعلق الأمر بروسيا، فلقد أبدى أردوغان الكثير من الإعجاب الظاهري بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وصعود ما يسمى بـ “الأوراسيين” داخل ضباط الجيش التركي الذين هم مناهضون لأمريكا ومناهضون للغرب. قد تكون هذه العوامل جزءًا جيدًا من التفسير، ولكن إن مكان روسيا بصفتها صانعة القرار في سوريا وقلق أردوغان من المكاسب الكردية هناك أجبره على الذهاب إلى موسكو في محاولة لتأمين المصالح التركية في الصراع السوري.
المصادر النهائية للتوتر هي الخطاب السام المعاد لأمريكا الذي استخدمه المسؤولون الأتراك ووسائل الإعلام التي تمثل الحكومة منذ صيف عام 2016 وكذلك معاملة الأمريكيين داخل تركيا وخارجها. لقد لعب زعماء تركيا منذ فترة طويلة على خزان العداء لأمريكا داخل المجتمع التركي لمصلحتهم السياسية، لكن اردوغان أشرف على هجوم غير مسبوق على الولايات المتحدة بعد الانقلاب الفاشل في الصيف الماضي. انخرطت الحكومة والإعلام الموالي للحكومة في خطابات مروعة ألقت بالمسؤولية في الانقلاب على (من بين آخرين) على الجنرال جوزيف فوتيل قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، والضباط الأمريكيين العاملين في إنجرليك، وعلى بروفيسور يعمل في جامعة ليهاي يدعى هنري ج. باركي، والسناتور تشارلز شومر (د-نيويورك). بعد محاولة الانقلاب اعتقل الأتراك القس أندرو برونسون الذي يعيش في تركيا لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، وعالم من أصول تركية يعمل في وكالة ناسا، وهو مواطن أمريكي يدعى سيركان جولج. هناك أيضاً على الأقل ثلاثة عشر مواطناً أمريكياً آخر في الاحتجاز لم يُعرضوا بعد للمحاكمة في تركيا خمسة منهم مُنعوا من وصول المسؤولين القنصليين الأميركيين في تركيا إليهم. واعتقل الأتراك أيضاً موظفاً أجنبياً في الخدمة كان موظفاً في القنصلية الأمريكية في أضنة منذ فترة طويلة. يواجه جميع المعتقلين اتهامات تتعلق بالإرهاب باستثناء أمريكي واحد تم سجنه قبل الانقلاب.
في تركيا اليوم، يُعد “الإرهاب” اتهامًا فضفاضاً يمكن استخدامه ضد معارضي الحكومة المسالمين أو أتباع فتح الله غولن – رجل الدين الذي يتخذ من بنسلفانيا مقراً له والذي كان ذات يوم شريكًا لأردوغان – ويتهم الآن بتدبير الانقلاب العام الماضي “الانقلاب أو مؤيدي حزب العمال الكردستاني”. الاتهامان الأخيران وجيهان، لكن هناك احتمال آخر أيضاً: فالأميركيون المحتجزون في تركيا هم ورقة مساومة لتأمين تسليم غولن وإنهاء القضية الفيدرالية المرفوعة ضد رجل أعمال تركي إيراني يدعى رضا ضراب. تكتسي المسألة الأخيرة أهمية خاصة بالنسبة لأردوغان لأن ضراب كان له دور أساسي في خرق العقوبات على إيران، وذلك باستخدام تجار الذهب في إسطنبول و “بنك خلق” المملوك للدولة في تركيا في هذه العملية. كما يعتقد أن ضراب على معرفة بالفساد على أعلى المستويات في الحكومة التركية.
لقد وقعت إساءة معاملة للأمريكيين في تركيا، والتي أجبرت خبراء مثلي على تجنب زيارة البلاد، إلى جانب العنف أو التهديد باستخدام العنف ضد الأمريكيين في الولايات المتحدة. في الآونة الأخيرة وجهت اتهامات إلى خمسة عشر عضواً في فريق المهام الأمنية الخاصة لأردوغان لضربهم متظاهرين سلميين خارج مقر إقامة السفير التركي في أيار / مايو الماضي. تكرر هذا الأمر في الشجار الذي تسبب فيه فريق أمن أردوغان خارج مؤسسة بروكينغز في مارس 2016 وفي الأمم المتحدة في عام 2011. بالإضافة إلى ذلك سعى الدبلوماسيون الأتراك إلى خلق بيئة معادية لأولئك الذين يبحثون ويكتبون عن تركيا. ترسل السفارة في واشنطن الموظفين بشكل روتيني لالتقاط فيديو للأحداث العامة التي تتناول السياسة التركية. لقد تكلم معي بقسوة المستشار العدلي للسفارة في وقت ما في المصعد بعد حدث في مركز وودرو ولسون الدولي للعلماء لأنه لم يعجبه شيء قلته. بعد أن خرج من المبنى طاردني في الشارع وهو يصرخ في وجهي. استخدم القنصل العام لتركيا في شيكاغو مقطعاً من البروفيسور باركي وأنا ضاحكاً أثناء حدث ونشره على تويتر مدعيا أننا كنا نضحك على 249 شخصًا ممن قتلوا أثناء الانقلاب الفاشل. ونظراً للأجواء السياسية في تركيا فإن ما فعله القنصل العام لم يكن أقل من التحريض على العنف. هذا كله جزء من محاولة لتقويض قدرة العلماء والصحفيين الأمريكيين على العمل في تركيا.
ما الذي يمكن للولايات المتحدة فعله حيال الوضع المتدهور في تركيا وسياسة أنقرة الخارجية المعضلة؟ يجب أن يدرك صانعو السياسة الأمريكيون أن لديهم القليل من الوسائل للتأثير على تركيا إذا استمروا في تحديد العلاقة بنفس الشروط (الظروف) كما كانت خلال الحرب الباردة. لدى الولايات المتحدة وتركيا تاريخ طويل، لكن العلاقات الاستراتيجية السابقة لا يمكن اعتبارها بمثابة مبرر لإبقاء هذا التحديد للعلاقة نفسها في الحاضر والمستقبل. تبقى تركيا مهمة بالنسبة للولايات المتحدة ولكن أقل من ناحية نفعها وأكثر من ناحية المضرة التي ممكن أن تتسبب بها.
غالباً ما يكون من الحكمة الاقتراب من الاختلافات مع الدول الأخرى من خلال الدبلوماسية الخاصة وتقديم المزيد من “العسل أكثر من الخل” في الأماكن العامة. إلا أن السجلات الصادرة عن إداريي باراك أوباما وجورج دبليو بوش تشير أيضا إلى أن الإذعان للمسؤولين الأتراك في الخاص والإشادة بهم في العلن ليس له سوى تأثير ضئيل إن وجد على السياسات التي تتبعها أنقرة في الداخل والخارج. بطبيعة الحال، لا يوجد ضمان بأن تطبيق الضغط العام على تركيا سوف يغير سلوكها إلى الأفضل – قد يحدث العكس تماما – ولكنه خيار سياسي أفضل بكثير من فرض عقوبات على الإجراءات التركية من خلال الصمت.
إن الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الذي مارسته روسيا على تركيا بعد أن أسقطت الطائرات الحربية التركية قاذفة روسية في نوفمبر 2015 ممكن أن ينيرنا بهذا الأمر. مع مرور الوقت اضطر أردوغان إلى إصدار اعتذار واتباع نهج استرضائي مع موسكو. أنا لا أدعو إلى نهج بلطجي مشابه تجاه تركيا الحليف القديم، بل عرضت قضية رد فيها زعيم تركيا بإيجابية على استنكار عام. لتحقيق هذه الغاية هناك فرصة للولايات المتحدة وخاصة الكونغرس، لجعل تركيا تدرك استياء واشنطن من تراجعها الديمقراطي، ومعاملتها للأمريكيين، وسياسة خارجية تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة وأهدافها. يمكن أن نفعل هذا بواسطة
• توجيه تعليمات إلى مكتب المحاسبة الحكومي لإجراء دراسة حول قيمة العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا.
• مطالبة وزارة الدفاع بدراسة تكاليف ترك قاعدة إنجرليك الجوية ووسائل تنفيذ ذلك أو تحويل بعض عملياتها إلى مرافق أخرى في المنطقة. وجعل نتائج هذه الدراسة عامة.
• مطالبة وزارة الخارجية بمراجعة تحذير السفر الخاص بها إلى تركيا.
• تقييد مشاركة تركيا في تطوير والحصول على الأسلحة الباهظة ذات التقنية العالية.
• المطالبة علناً بأن يمتنع المسؤولون الأتراك عن جهودهم المستمرة لتسييس العملية القضائية الأمريكية.
هناك مخاوف داخل المجتمع السياسي من أن تركيا أصبحت غير مستقرة تجاه الغرب. هذه المخاوف مبررة لكنها ليست دقيقة تماما. أنقرة ستظل عضوًا في الناتو، لكنها ليست شريكة في الحلف الأطلسي. ترتبط تركيا بأوروبا من خلال التدفقات التجارية والاستثمارية والمؤسسات المالية، لكنها لا ترغب في أن تكون جزءا من الغرب الذي تم تحديده على نطاق واسع من خلال القيم والمبادئ والمثل الليبرالية. ليس هناك شك في أن أعدادا كبيرة من الأتراك يروق لهم هذا التغيير. أحمد داوود أوغلو – الذي شغل منصب رئيس الوزراء ووزير الخارجية – كتب أن المؤسسات الغربية غريبة عن المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة مثل تركيا. هناك أيضا أعداد كبيرة تريد أن تبقى ضمن نطاق الغرب. فوق كلتا المجموعتين أردوغان المصمم على التراجع عن مؤسسات وقيم الجمهورية – التي نفسها ليست ديمقراطية أبداً – واستبدالها بنظام سياسي أخلاقي وديني (لكن ليس ثيوقراطي)، ونظام سلطوي استبدادي. سواء نجح أردوغان أم لا فقد تغيرت السياسة والمجتمع التركي بشكل كبير منذ خمسينيات القرن العشرين، كما حدث في السياسة والمجتمع الأميركيين، وبالتالي يجب على الولايات المتحدة إعادة تقييم علاقتها مع تركيا.

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf الأولويات والتحديات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركياأغسطس 3, 2018 9:51 ص 798 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*