التقارب الأثيوبي الإرتيري ومستقبل المصالحة

مركز نورس للدراسات
NORS FOR STUDIES

التقارب الإثيوبي الإرتيري ومستقبل المصالحة

تعرف منطقة شرق إفريقيا تحولاً جيوسياسياً مفاجئاً وحدثاً إقليمياً دولياً قد يغير القواعد الجيوستراتيجية في المنطقة برمتها.
فالقطيعة الصارمة التي عرفتها إثيوبيا وإريتريا لحوالي عشرين سنة. انتهت يوم الاثنين 9/7/2018م في العاصمة الأرترية أسمرة بمشهد الرئيس أسياس أفورقي – الرئيس الوحيد الذي حكم إريتريا منذ استقلالها عام 1993- يعانق رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أبي أحمد لتبدأ مرحلة جديدة من المصالحة والتعاون لها دوافعها ومساراتها المرهونة.
وجاءت اتفاقية المصالحة الجديدة بين إثيوبيا وإريتريا مع تحوّلات سياسية وصراعات إقليمية تتسابق في المصالح المرتبطة ارتباطاً مباشراً بما يحصل في شرق إفريقيا مدفوعة بالتخطيط الأمريكي لمستقبل المنطقة.
وتتضمن الاتفاقية الموقعة خمس نقاط، على رأسها عودة العلاقات الدبلوماسية التي انقطعت منذ عام 1998م وفتح السفارات في عاصمتي البلدين، وفتح الاتصالات والتي كانت مقطوعة طيلة فترة الأزمة، ثم فتح الأجواء الإريترية الإثيوبية أمام خدمات الطيران، واستخدام إثيوبيا الموانئ الإريترية، بالإضافة إلى وقف كافة أشكال التحركات العدائية بين البلدين.
ولا شك أن المصالحة التي جاءت بعد حرب ضروس بين العامين 1998 و2000 سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى من الجانبين، تعد حدثاً عظيماً لشعبيّ كلا البلدين فضلا عن حكومتيه.

خلفية عن الصراع
والمثير للاهتمام في تاريخ الاقتتال بين البلدين هو أن القيادتين اللتين خاضتا هذه الحرب، أسياس أفورقي – الرئيس الإرتيري الحالي- وملس زيناوي – رئيس الوزراء الأثيوبي آنذاك- كانتا بمثابة حليفين متفاهمين وقريبين ينتميان لنفس القبيلة “التيجري”، تشاركا في حمل السلاح منذ ثمانينات القرن الماضي، قبل استقلال إريتريا وسقوط الديكتاتور الإثيوبي منغيستو هايلي مريم.
ولكن التاريخ الثوري للقائدين لم يتمكن من منع العداوة الشرسة التي انطلقت بشكل أعمى لا يقبل الانصات لأصوات التهدئة بعد استقلال إرتيريا، استمرت لحوالي عشرين سنة. ما يجعل من مشروع المصالحة والتقارب الجديد محط استفاهامات عديدة وتساؤلات حول مساراته المتوقعة في ظل واقع ينبض بالتناقضات والمفاجآت.
فماذا يخفي هذا التطور الخطير في العلاقات بين البلدين الخصمين الصديقين، وما هي المسارات المتوقعة التي تنتظرهما بعد تقارب مفاجئ وإبرام اتفاقيات؟

مصالح إثيوبيا
لم يأتي القرار الإثيوبي في عقد مصالحة مع الجارة إريتريا من فراغ ، فالضغوط الأمريكية على الحكومة الإثيوبية لاختيار رئيس وزراء من قومية غير التيجري المهيمنة على دفة الحكم منذ عقود، مسببة ثورات سخط واحتجاج من الشارع الإثيوبي لم تتوقف حتى تمت التهدئة ولو مرحلياً بتنصيب أبي أحمد الأورمي الأصل وسليل أب مسلم وأم نصرانية رئيس وزراء جديد يعد الشعب بالكثير من التغييرات.
فالضغوط الأمريكية كانت وراء هذا التغيير الكبير في مسار السياسة الإثيوبية المعهودة ، يظهر جلياً في تصريحات الدبلوماسيين الأمريكيين وترحيبهم بتنصيب أبي أحمد ، أول رئيس وزراء من قومية غير التيجري في إثيوبيا.
وتبدو خشية حليفة إثيويا – الولايات المتحدة – من أن تستمر سياسة التيجري في تعميق الفشل بغرق إثيوبيا في دوامة الثورة الداخلية واستنزاف طاقاتها في التوتر الحدودي المتواصل مع جارتها إرتيريا، فضلا عن تأثير هذا الانشغال في درجة تدخلها في الصراع مع الصومال الذي يحظى باهتمام عسكري أمريكي متصاعد.
فجاء أبي أحمد بمباركة غربية، ليحول التركيز الإثيوبي على التحرر من سياسة التيجري المنغلقة والانفتاح أكثر في الداخل الإثيوبي بتحرير الآلاف من السجناء السياسيين والمعارضين للحكومة، ثم الخصخصة الجزئية للشركات المملوكة للدولة الكبيرة، وخفض القيود على الاستثمار الخارجى والقطاع الخاص الإثيوبي وإنهاء حالة الطوارئ المفروضة لقمع الاضطرابات. وواصل أبي أحمد خطواته بإقالة رئيس إدارة السجون بعد اتهامه باعتماد سياسة تعذيب عنيفة، وإزالة أسماء ثلاث جماعات معارضة من قوائم المنظمات المسماة “إرهابية”.
ولم يقتصر الانفتاح الذي يقوده أبي أحمد في الداخل فحسب بل تحولت أنظار رئيس الوزراء الجديد إلى الجوار وتحديداً الجبهة المستعصية على حدود إريتريا، محرّضاً على المصالحة بهدف جني مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة ستعضد مسيرته الجديدة في عمق واقع صعب وحذر. وبهذا الاتفاق مع إرتيريا حرر أبي أحمد إثيوبيا من الارتباط المصيري بميناء جيبوتي – الأعلى تكلفة – الذي يقع تحت مراقبة عدة دول لها قواعد عسكرية في المنطقة، مستفيداً من مينائي عصب ومصوّع القريبين في إرتيريا وهما من بين أهم الموانئ على البحر الأحمر.
بل أصبح طموح أبي أحمد يصل إلى حد التخطيط لصناعة أسطول بحري لإثيوبيا يعزز قدراتها العسكرية الجوية والبرية رغم أن بلاده لا تمتلك ساحلاً خاصاً بها ما يعكس درجة ثقته في المصالح التي سيجنيها من خلال الحصول على الممر المائي عن طريق إرتيريا وجديته في هذه المصالحة.
وقد نقلت هيئة فانا الإذاعية عن رئيس الوزراء الجديد قوله خلال اجتماع مع كبار القادة العسكريين : “بعد الجهود التي بُذلت لبناء دفاعنا الوطني بنينا واحدة من أقوى القوات البرية والجوية في أفريقيا. علينا أن نبني قدرات قواتنا البحرية في المستقبل“.
ومع أن بعض المراقبين ربطوا عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر عبر إرتيريا، بمشروع إعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط الجديد وأن المصالحة مع إرتيريا التي تفتح هذه الفرصة لإثيوبيا ما هي إلا جزء من الصفقة السياسية بين السعودية ومصر والأردن واسرائيل والتي عرفت بـ “صفقة القرن” إلا أن حاجة إثيوبيا للوصول إلى البحر بأقل تكلفة تعد ملحّة، وانتهاز هذه الفرصة كان ضربة موفقة لأبي أحمد دفع ثمنها التخلي عن المنطقة المتنازع عليها مع أرتيريا.

المسارات المرهونة
ورغم حجم التفائل الذي رافق عملية المصالحة بين إثيوبيا وإرتيريا إلا أن مسارات هذه المصالحة مرهونة بعدة عوامل، أولها :
ما يتعلق بشخص أبي أحمد نفسه:
فقد خرج رئيس الوزراء الجديد عن سياسة التيجري المعهودة وتحدى بطموحاتها وسياساته “العقلية” المنغلقة المعهودة للائتلاف الحاكم. وعمد إلى إبعاد رؤوس كبيرة في سلسلة الحكم على المستوى الأمني والعسكري ، لكنه يلعب في ساحة حكومة يتحكم عمقها بمصير قمتها. ولعل هذا ما يفسر الإنذار الذي حصل عليه من خلال محاولة الاغتيال التي تعرض لها خلال إلقائه أحد خطاباته.
فضلا عن أن خيار أبي أحمد جاء اضطراراً للحالة التي وصل لها الشارع الإثيوبي الغاضب من سياسة التيجري، وهي الأقلية في البلاد التي تهيمن على الحكم منذ عقود، وليس بتشجيع من مكونات الحكومة أو التيجري أنفسهم.
فهل سيتمكن أبي أحمد من الصمود أمام القوى الداخلية العميقة في الائتلاف الإثيوبي الحاكم، أم ستجهض آماله وتتوقف مشاريعه تحت التهديد أو التصفية الجسدية أو حتى السياسية؟

ثبات الموقف الإرتيري:
المستقبل الغامض لا يتعلق فقط بمدى ثبات أبي أحمد على مواقفه والمسار الذي اختاره لسياسة بلاده، إنما يتصل أيضا بالجانب الإرتيري ودرجة ثبات الرجل الدكتاتوري الذي قاد الحكم بيد من حديد، أسياس أفورقي، والذي يطبق سياسة إقصاء تام للمعارضة وتكميم للأفواه واستبداد أضحت سمة الواقع الإرتيري المرير..
وحكومة أسمرة لا يمكن الثقة في ردودها أو احترامها للقرارات والمواثيق فهي التي سبق وأن فرضت الحظر الجوي على طائرات بعثة الأمم المتحدة الخاصة، وهي تزاول مهامها وفق لجنة ترسيم الحدود المتفق عليها بعد اتفاق الجزائر عام ٢٠٠٣ رغم إقرار هذه اللجنة أحقية إريتريا فى «مثلث بادمي» المتنازع عليه مع إثيوبيا، وهي التي عمدت إلى طرد بعض أعضاء البعثة الأممية بتهمة تهديدهم لأمن البلاد. وهي التي فُرضت عليها عقوبات أممية كان أبرزها تلك التي طبقت عام ٢٠٠٩.
فهل مثل الحكومة الإرتيرية يعتمد عليها في التفاعل بنفس الوتيرة المنتظرة منها مع المرحلة المقبلة من هذه المصالحة؟
ولعل السيناريو الإيجابي الذي ينتظره الشعب الإرتيري من حكومتهم وراء هذه الاتفاقية هو أن تغير من سياسة القمع التي ينتهجها أفورقي مع شعبه وتخفيف مطاردات التجنيد الإجباري بعد انتهاء الحرب مع إثيوبيا أو ما يدعو للقلق منها. وأن تتحول إريتريا التي وصفت من قبل منظمة العفو الدولية بأكبر سجن للصحافيين في القارة، حيث أن وسيلة الإعلام المستقلة الأخيرة لديها أغلقت قبل 17 عاماً. إلى ساحة من الحريات تسمح بعودة اللاجئين إلى بلادهم. هذا دون أن ننسى الاستفادة من امتياز رفع العقوبات الدولية على إرتيريا كثمن لقبول هذه الاتفاقية.
ويخشى المراقبون في الواقع من أن يتراجع أفورقي عن المبادرة الإثيوبية الجديدة، نتيجة سياساته التي تعرف بأنها غير مستقرة؛ وبوصفه يجيد اللعب على وتر التناقضات.
ولا شك أن ثبات أبي أحمد وأفورقي على نفس المسار، قد يعد بنجاح هذه الشراكة كما أنه قد يسهل تفاهما آخر بين إرتيريا وجيبوتي لحل المشكلة الحدودية بينهما.

تأثير محاور الصراع
ومسار هذه المصالحة يخضع أيضا للإجابة على تساؤلات أخرى، منها: هل تحويل إثيوبيا ثقل مصالحها باتجاه إرتيريا وبالتالي المحور الإماراتي السعودي، كونه المحور المتحالف في أزمة الخليج، والصراع مع قطر، لن يكون له عواقب على التفاهمات السابقة التي فتحت المنافذ البحرية لإثيوبيا في جيبوتي والصومال والسودان، مؤثرة في المحور التركي القطري الذي خطى خطواته الأولى في كسب الود الإثيوبي.
وإرتيريا من جهتها ترفض التمدد التركي في المنطقة وخاصة بعد وصول الأتراك للصومال والسودان وجيبوتي وحتى إثيوبيا، وسبق أن أكد هذا الرفض أفورقي في تصريحات له عديدة، مؤكداً إستنكاره لما سماه بالفلسفة المتنامية لفكرة “الإمبراطورية العثمانية” التي تحرك هذا التمدد العسكري المستفز.
ثم إن انتماء مصر لمحور السعودية الإمارات قد يقدم بعض المفاجآت إن لم يتم التوافق والرضا في مرحلة ما بعد تشغيل سد النهضة الذي يمثل نقطة الاختلاف المصيرية بين مصر وإثيوبيا.
ولا شك أن السودان تراقب عن كثب وبقلق مرحلة التوازن في العلاقات بين إثيوبيا وإرتيريا لأنها متصلة بحالة التوازن في القرن الأفريقى ككل. ولأنها حاولت لمدة طويلة توثيق علاقتها مع إثيوبيا وتقديم المصالح المشتركة كعربون صداقة بين البلدين، ولكن المصالح التي تجنيها إثيوبيا من السودان سيمكنها الحصول عليها من إرتيريا وبأقل تكلفة، ما يجعل السودان في حالة من القلق والمراقبة.
ويجدر التذكير بأن العلاقات السودانية الإريترية عرفت توتراً ملحوظاً وصل إلى حد إغلاق الحدود وتحريك القوات العسكرية إلى الحدود السودانية الإريترية، وانتشر الحديث عن حشد قوات مصرية مع القوات الإرتيرية على الحدود السودانية ما دفع الأخيرة لرفع حالة الطوارئ والاستنفار العسكري.
وعقلية المصالح هي التي تحكم المسارات والاتجاهات التي قد يخطوها أبي أحمد، وكون المحور التركي القطري ينافس بقوة المحور السعودي الإماراتي فإن من المحتمل أن يتعرض المشروع الجديد لإثيوبيا لبعض المغريات أو الابتزازات تغير من حسابات أبي أحمد لصالح إثيوبيا.
وهي ذات المصالح التي قد تتأثر أيضا بالحضور الإسرائيلي القوي في إرتيريا وكذلك الإيراني من خلال قواعد عسكرية لهما في الأرخبيل الصغير.
ثم هل سيكون هناك تأثير أعمق للدور الأمريكي في هذه المصالحة؟ خاصة وأن السفير الإرتيري الجديد الذي عينته أسمرة في أديس أبابا هو سفير سابق لإرتيريا في أمريكا. وأن تصريحات السفير الأمريكى في أديس أبابا أكدت أن بلاده لعبت دوراً في تشجيع الحوار بين أسمرة وأديس أبابا حتى قبل أن يأتى أبي أحمد كرئيس لوزراء إثيوبيا، وعملت على إقناع البلدين بأن تلك الخطوة تصب فى مصلحتهما المشتركة، وفي مصلحة الولايات المتحدة أيضاً .وهو نفس الهدف الذي لا زالت الإدارة الأمريكية تؤكد عليه في تصريحات جديدة بعد تنصيب أبي أحمد.
مع العلم أن الأهداف الأمريكية تصب دائماً في صالح تدخلات وتحالفات عسكرية تدعم معاركها في نقاط الصراع الذي تخوضه أمريكا.
ولأن التأثير الأمريكي يبدو عميقاً في مشروع المصالحة الجديدة فإن بعض المراقبين يصفونه بمشروع أمريكي بحت بتمويل إماراتي له ما بعده.

موقع الشعوب من المصالحة:
من جهة أخرى فإن مستقبل هذه المٍصالحة لن تكون الكلمة الأخيرة فيه للحكومات فقط، بل إن الشعوب أيضا قد تغير من سيناريوهاته، فمع ترحيل أبي أحمد للقوات الإثيوبية من الحدود الإرتيرية كعربون صدق منه لإرتيريا، يبدي السكان في منطقة “بادمي” والتي تم ضمها لإرتيريا بموجب اتفاقية المصالحة الجديدة…يبدي هؤلاء السكان الذين ينتمون إلى إثنية التيجري رفضاً قوياً لعودة السيادة الإريترية عليهم تمت ترجمته بحركة نزوح كبيرة من مساكنهم.
وفي الجهة المقابلة إن لم ينجح أبي أحمد في الإيفاء بمطالب الثورة الإثيوبية فإن مسألة بقائه في كرسي رئاسة الوزراء ستكون على المحك. خاصة وأن الوضع الداخلي لإثيوبيا ليس بتلك السهولة لتجاوز عقباته، مع مواجهة إثيوبيا نقصاً في العملات الأجنبية، وأزمة البطالة عند الخريجين، وأضرار بيئية كبيرة، وتوترات عرقية لا تنتهي.
وفي حين أن الهدف من هذا التصالح بحسب المحللين يرجع لشدة الحاجة الداخلية في إثيوبيا لترشيد النفقات العسكرية والأموال الطائلة، التي تم انفاقها على الحشود العسكرية واستيراد الأسلحة، وحاجة إثيوبيا لمشاريع التنمية على رأسها استكمال بناء سد النهضة، فأي فشل في جني ثمار هذه المصالحة يعني العودة إلى نقطة الصفر وقد تكون العواقب وخيمة بحرب أخرى شرسة لن تكون أقل عنفاً من سابقتها مع إرتيريا.
أيضا المعارضة الإثيوبية منزعجة من هذه المصالحة، وقد تضغط على أبي أحمد لتخفيف تأثير الاتفاقيات على الأقل أو التسبب في بعض المراجعات بحجة أو أخرى.

العامل الديني
لا شك أن القطيعة التي عرفها البلدان والحرب التي اشتعلت بشراسة بينهما كانت تغذيها جملة من القناعات والمفاهيم المتنافرة إلا أنها تبقى متصلة في حلقة واحدة لا تنفصل عن المنظور الديني.
فـحزب الجبهة الشعبية الحاكم يعتقد أهمية أن يكون للتيجري النصارى دوراً رئيسياً في تحديد مستقبل إثيوبيا، وهم الأقرب للتجري في إريتريا ، وسبق أن تشاركوا معاً في قيادة ثورتهم ضد نظام هيلا سيلاسي، وقد جاء خطاب أسياس أفورقي الجديد خلال زيارته الأولى لأديس أبابا ليؤكد على مفهوم التراث الثقافي والتاريخي الواحد للبلدين.
وإن كانت طموحات رئيس الوزراء الأورومي المسلم الجديد تهدف لإضعاف نفوذ التيجري النصارى في الحكم في إثيوبيا، فإن هذا بلا شك سيدفع إرتيريا للدفاع عن وحدة التصور الاستراتيجي والإديولوجي بينها وبين نصارى التيجري في إثيوبيا الذين يجتمعون معا في المعتقد وستكون التضحيات رخيصة أمام ترسيخ الهوية النصرانية التيجرينية في نظام الحكم في المنطقة. ولن تقبل لا إرتيريا ولا إثيوبيا التخلي عن نصرانيتها في الواجهة أمام أي صعود ممكن للقوميات المسلمة. هذا إن ثبت أن أبي أحمد يحمل هذا الطموح مع العلم أن هناك من المراقبين من يشكك في إسلام الرجل، كون والدته نصرانية وزوجته نصرانية وكونه حظي أيضا على موافقة التنصيب في منصب قيادته نصرانية.

العقبات الداخلية
ولأن أبي أحمد أدرك أن رأس المشاكل في إثيوبيا هي الاقتصاد سارع لبحث أسباب تعزيز القوة الاقتصادية للبلاد ليكسب ثقة الجماهير الغاضبة، وعليه أن ينجح في تجاوز عدة أزمات أمامه، الأولى هي أزمة الديون التي تراكمت بسبب قروض إثيوبيا من الصين والبنك الدولي وصندوق الدولي والصناديق الأوروبية ودول الخليج ، لجأت إليها إثيوبيا لتدفع أماماً بمشاريعها الاستثمارية. وعليها الآن أن تتحمل ثقل سداد خدمة الديون وعلى أبي أحمد أن يوافق بين البناء والتعمير وسداد خدمة الدين التي تبدأ قبل جني ثمار الاستثمارات. وهو ما يمثل بحد ذاته سببا عكسيا يضعف الاستثمار ويخفض النمو لأن تكاليف خدمة الدين لابد أن تدفع في حينها. فكيف لأبي أحمد أن يتجاوز هذه العقبة مع العلم أن خدمة الدين لوحدها بلغت 47 مليار دولار. وقد استيقظت الحكومة الإثيوبية متأخرة لهذه الورطة وأوقفت الديون ذات الفوائد المرتفعة أو قصيرة الأجل. بحسب مجلة إثيوبيان بيزنس في عددها 62 لشهر يونيو 2018.
ويجدر الإشارة إلى أن سياسة الاستدانة في المرحلة الأخيرة من قبل الحكومة الإثيوبية رفعت الدين الخارجي من 7,8 مليار دولار في عام 2010م إلى 24 مليار دولار في عام 2017م، بينما بلغ الدين الداخلي 22,6 مليار دولار ، ليصل مجموع الدين الخارجي والداخلي 47 مليار دولار. وهذا ما جعل البنك الدولي يصنف الوضع الإثيوبي في مرتبة الخطر المرتفع.
وما يزيد من صعوبة مهمة أبي أحمد أن الكثافة السكانية في إثيوبيا (100 مليون نسمة) تحتاج إلى اقتصاد قوي باستمرار، وإلا فإن الثورات ستكون على عتبات الاشتعال مرة أخرى.
ثم تقديم الإمارات لسيولة نقدية بمليار دولار للبنك المركزي الأثيوبي وملياري دولار استثمارات للحكومة الإثيوبية بعد زيارة ولي عهد الإمارات إلى أديس أبابا الشهر الماضي، والتوقيع على 7 اتفاقيات تعاون مع أثيوبيا ، يجعل إثيوبيا مديونة للإمارات ومنحازة ولو مرحلياً لسياساتها التي قد تكون مضرة بإثيوبيا.
المشكلة الأخرى التي على أبي أحمد تجاوزها هي مشكلة البطالة والفقر المتفشيان في المجتمع الإثيوبي، فقد بلغ عدد المواطنين في إثيوبيا الذين يعتبرون تحت مستوى الفقر حسب الأرقام الرسمية، ليصل ما بين 65 – 70 مليون شخص (أي ثلاثة أرباع) الشعب. وأيضا نسبة البطالة في إثيوبيا بلغت حالياً 25% من عدد السكان وهي نسبة عالية. تدفع بالشباب الإثيوبي للهجرة في وقت تعاني منه إثيوبيا من مشكلة عويصة أخرى هي نقص الموارد البشرية والكوادر المؤهلة بسبب ضعف مخرجات التعليم. والحاجة الماسة لإصلاح القطاع التعليمي من مستوى الروضة إلى الجامعة.

تداعيات الانفتاح
ثم ماذا عن تداعيات الانفتاح الذي عمد إليه أبي أحمد بعد سياسة قمع واستبداد استمرت لعقود، وماذا ينتظر من عودة المعارضة بجميع أطيافها حتى أنصار الرئيس الأسبق منقستو هايلي مريام إلى البلاد؟ هل ستجلس المعارضة صامتة وتراقب ما يجري من تطورات؟ أم سيكون لها دور في مجمل الأحداث؟ وما هي أجندات هذه المعارضة وهل سيتم إشراكها في الحكم وفق تطلعات أبي أحمد؟ كل هذه الأسئلة لاشك أن الإجابات عليها ستؤثر مباشرة في مسار أبي أحمد ومشاريعه مع إرتيريا.
ويجدر الإشارة إلى أن أبي أحمد سمح لـ لينشو ليتا رئيس “جبهة أورومو الديمقراطية” الإثيوبية المعارضة، وأربعة من قيادات الجبهة بالعودة إلى أديس أبابا، وذلك بعد سنوات قضوها في المنفى. حيث استقبلهم في مطار أديس أبابا مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية، أبادولا غمدا، ووزير مكتب الاتصال الحكومي، أحمد شيدي.
من جهة أخرى فإن سياسة العفو الشامل عن سجناء الرأي السياسيين والصحافيين والمعارضين التي أطلقها أبي أحمد شملت أيضًا أعضاء من جبهة تحرير أوغادين ومن بينهم قيادين كعبد الكريم شيخ موسى المشهور بـ”قلب طغح”، والقيادي البارز، بشير بختل، وآلاف من أنصار وأتباع الحركة.
ولن يكون التعاطي مع ملف جبهة تحرير أوغادين، ومسألة هوية الإقليم الصومالي والنزاعات الدائرة حوله بالهينة، خاصة مع تطلعات الحكومة الإثيوبية لإطلاق مشاريع التنقيب عن النفط في إقليم أوغادين.
ثم بعد رفع أبي أحمد القيود عن الإعلام فإن سياسة البوق الإعلامي الواحد لم يعد لها مكان في سياسات إثيوبيا الجديدة. وقد تطمح المؤسسات الإعلامية المستقلة لمزيد من الحقوق والصلاحيات لإصلاح عقود من القمع والاستبداد لن تروق للتيجري والائتلاف الحاكم بكل تأكيد وقد يكون لذلك عواقب تصل إلى مستويات خطيرة.

المصالح الإماراتية
إن دفع الحكومة الإماراتية لـ3 مليار دولار لإثيوبيا لم يكن بدون مقابل حيث توجه أبي أحمد في صباح اليوم التالي من لقائه مع ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، إلى الصومال في أول زيارة تاريخية لرئيس وزراء إثيوبيا، ليوطد التقارب الإثيوبي الصومالي وبالتالي الإماراتي، من أجل فتح الباب أمام الاستثمارات التي كان على رأسها مشروع الاستثمار في 4 موانئ استراتيجية على الساحل الصومالي، ويرى المراقبون في هذه الخطوة فرصة لعودة المشاريع الإماراتية بوساطة إثيوبية – لها وزنها – عند حكومة عبد الله فرماجو المدعومة من الغرب، ولكن ما يمكن أن يفاجئ التخطيط الإماراتي الإثيوبي هو أن الشعب الصومالي استهجن زيارة أبي أحمد الأخيرة، ودفعت ردة فعله الغاضبة محمد عبد الله فرماجو، إلى عقد لقاء تليفزيوني مضطراً ليزيل الشكوك، وينفي أن حكومته وقَّعت اتفاقيات مع إثيوبيا العدو القديم للصوماليين، تتضمن تشغيل موانئ صومالية باستثمارات إثيوبية. ثم إن عدم استقرار وتمكين الحكومة في الصومال قد ينسف كل الاتفاقيات المبرمة مع إثيوبيا في أرض يشتعل فيها الصراع باستمرار وتتوالى فيها الحكومات المؤقتة خارج إدارة الحكم بسبب الفشل. وعندما تخسر الإمارات أهدافها من التقارب مع إثيوبيا لا شك أن دعمها باتجاه المصالح الإثيوبية ستخف وتيرته بما فيه التمويل.

عقبة الائتلاف الحاكم
إن التركيبة التي يعتمد عليها الحكم في إثيوبيا والتي تجذرت فيه منذ عقود، تقوم على سياسات حزب جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) والذي أبدى جناحه المتشدد تراجعاً ملموساً بقبول أبي أحمد الأورومي كرئيس وزراء لحكومتهم تحت ضغط موجة الثورات الداخلية واستجابة للضغوط الأمريكية .
ولا يعني هذا أنهم سيقابلون بعين الرضا كل التغييرات التي يعمل عليها أبي أحمد، ومهما حاول الأخير إضعاف هذا الجناح فلن يتمكن من ذلك دون رضا الجناح المعتدل من الحزب وهو ما لا يمكن التعويل عليه بسهولة، نظرا للتاريخ القمعي لهذا الحزب وصلابة جبهته الداخلية. مع العلم أن جبهة تحرير تيجري ترى أن قرار عملية المصالحة مع إريتريا المجاورة لإقليم تيجري لم يتخذ بشكل تمثيلي كامل.
ويجدر التذكير أن جبهة تحرير تيجري تحكمت بأوراق اللعبة السياسية داخل الائتلاف الإثيوبي الحاكم لمدة تزيد على 27 عاماً، وستكون بمثابة الرقم الأصعب في تحديد مصير سياسات أبي أحمد في إثيوبيا، وقد تقطع طريقه إن احتاجت لذلك بتغييب تام لدوره سياسياً أو إشعال نار الصراع المسلح لتنسف إنجازات أبي أحمد بشكل عنيف.

الخلاصة
ورغم وصف صحيفة “الجارديان” البريطانية له بأنه “نيلسون مانديلا” إثيوبيا، الذي استطاع تنفيذ برنامج إصلاح قلب موازين السياسة في البلد الإفريقي الكبير، ويسعى للتطبيع مع إريتريا العدو القديم، فإن التحركات الداخلية والخارجية للوصول إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي التي يقودها أبي أحمد تجري على طريق طويل مليئ بالعقبات والحفر ذلك أن العوامل الداخلية والخارجية ما زالت تمثل تحدياً كبيرا أمام رئيس الوزراء الإثيوبي وطموحاته.
وقد ينجح في مساره إن صدقت فيه ظنون بعض المحللين في أنه قادر على تجاوز هذه العقبات كونه يراوغ بنفس الطريقة التي راوغ بها من قبل النظام الإثيوبي الذي تتلمذ على يديه سنوات طويلة من عمره، لدرجة ترجم بعضهم محاولة الاغتيال بتمثيلية مدروسة لجأ إليها أبي أحمد لكسب شعبية أكبر وتهديد منافسيه في الحكم، وحيازة اهتمام دولي ثقيل ليمضي بقوة في الاتجاه الذي يريده.
ويبقى المستقبل كفيلا بتأكيد مدى نجاح سياسات أبي أحمد أو مدى فشلها. ولن يكون هذا بمعزل عن صراعات متداخلة تدور رحاها في شرق إفريقيا والصومال المجاور ومواجهات لن يكون حسمها قريبا أو سهلا أو بدون ثمن.

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf التقارب الأثيوبي الأرتيرييوليو 24, 2018 6:21 م 491 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*