معنى الحملة الروسية في سوريا

نورس للترجمة
NORS FOR TRANSLATION

نورس للترجمة يقدم ترجمة لبحث
“معنى حملة روسيا في سوريا”
الذي نشرته جامعة هارفرد في كانون الأول من عام 2015

المقدمة
يشرح ستيفن كوفينجتون الأسباب الاستراتيجية والتكتيكية لانتشار روسيا إلى سوريا ويساعد القارئ على رؤية العالم من خلال عيون الرئيس بوتين ومستشاريه. جنباً إلى جنب مع مقاله السابق، “اختيار بوتين لروسيا” والذي نشرت في بيلفر سنتر في أغسطس 2015، تزود هذه المقالة القارئ بالخيوط الاستراتيجية التي تمر عبر الجغرافيا السياسية الروسية المعاصرة. تستند رؤاه في التفكير الاستراتيجي الروسي على سنوات من الدراسة والخبرة العملية مع الجيش الروسي ورأيه مهم باعتباره شخص يقدم المشورة لكبار القادة العسكريين في حلف الناتو في مسائل الأمن والدفاع الخاصة بالتحالف.

عن المؤلف
ستيفن كوفينجتون هو مستشار الشؤون الاستراتيجية والدولية لقائد حلف الناتو الأعلى وأوروبا ومن كبار الزملاء الاستراتيجيون في كلية فليتشر للحقوق والدبلوماسية. الآراء المعبر عنها هنا هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة وجهات النظر الرسمية للقوى الحليفة في المقر الأعلى أو لأوروبا أو منظمة حلف شمال الأطلسي.

بالنسبة لروسيا، تمثل سوريا جزءاً من الكفاح ضد النظام الأمني الذي ظهر في نهاية الحرب الباردة. بطريقة أو بأخرى فإن نشر روسيا للقوة العسكرية لسوريا هي خطوة تكتيكية لحماية موكّلها وحليفها الرئيس السوري بشار الأسد. من الواضح أن روسيا تواصل حملة في سوريا لتدمير جميع خصوم النظام وترى حماية الأسد كمفتاح لتحقيق أهدافها في الأزمة السورية. بطريقة أخرى ، فإن تصرفات روسيا في سوريا تهدف إلى زعزعة استقرار الأنظمة والشبكات الأمنية القائمة وإعادة ربطها بتوجه مختلف وإعادة تثبيتها على القيم والمبادئ والقواعد المختلفة (أو إلى غياب القيم والمبادئ والقواعد العالمية) التي تخدم مصالح روسيا. تسعى الحملة الروسية إلى تغيير أنظمة القرن الحادي والعشرين وشبكات الأمن بقدر السيطرة أو تحقيق مجالات جغرافية. تمثل سورية الانتهازية الروسية على المستوى الاستراتيجي الكبير الانتهازية التي تقودها مفاهيم ضعف روسي كبير للانحدار القومي في غياب التغييرات الأساسية في النظام الأمني الإقليمي والعالمي الحالي. يعتقد بوتين أن النظام الأمني الحالي غير عادل ، والأهم من ذلك في فهم إجراءات روسيا المستقبلية أنه يعتقد أن هذا النظام لديه نقاط ضعف.
يشبه منطق بوتين لحملته في سوريا دوافعه في الحملة ضد أوكرانيا. تضع قيادة روسيا اللوم في الصراع مع أوكرانيا مباشرة على نظام الأمن الأوروبي والقيادة الأمريكية في النظام الأوروبي. وبنفس الطريقة ، يزعم بوتين أن النظام الأمني الذي أنتج التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش لا يعمل وهو السبب الرئيسي للحرب الأهلية المتدهورة داخل سوريا. كما هو الحال مع أوكرانيا وأوروبا يقدم بوتين نهجا وترتيبات بديلة للأزمة السورية بأهداف مختلفة وممثلين قياديين مختلفين لا سيما الأسد وإيران وحزب الله.
هذا التحدي الروسي للغرب يختلف تماماً عن الحرب الباردة. إن سياسة روسيا الجديدة ليست رداً على سياسات حكومة أو إدارة واحدة. يأتي تحدي روسيا في وقت تسعى فيه القوى الإقليمية والدول الأصغر والأطراف الفاعلة غير الحكومية إلى إدخال تغييرات على الترتيبات والقواعد والمبادئ الأمنية في أماكن متعددة في جميع أنحاء العالم. بالنسبة لبعض البلدان ، فإن الحقيقة البسيطة المتمثلة في وجود المزيد من الثروة خارج حدود الولايات المتحدة من داخلها تثير تساؤلات حول ضعف واستمرارية النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية. وتعمل هذه الجهات الفاعلة والقوى الصاعدة بأساليب مختلفة ووسائل مختلفة وتحت جداول زمنية مختلفة وكلها تفتت بالبناء الإقليمي لنظام الأمن العالمي القائم. تحاول انتهازية بوتين استغلال هذه الجهات الفاعلة في “تغيير النظام” دون الحاجة بالضرورة إلى تشكيل شراكات استراتيجية أو تنسيق إجراءات مشتركة.
وتوحي سياسة روسيا وتوقيتها وأساليبها بنظرة موسكو أن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة المتبقية تواجه صعوبات هائلة في الحفاظ على النظام الحالي من الناحية المالية مقابل الوزن التراكمي والضغط من الدول والجهات الفاعلة الغير حكومية التي تسعى إلى إدخال تغييرات عليها. تتميز استراتيجية روسيا بإجراءات حاسمة ومجازفة واستخدام الصراع لاستغلال نقاط الضعف المتصورة في النظام وكلها ذات تأثير فوري. تسعى إجراءات موسكو إلى “شرارة” وتسريع التغيير في النظام الحالي وهو تسارع ضروري للغاية لأن الوقت ليس رصيداً استراتيجياً لموسكو. ولذلك فإن سياسة بوتين تمنح الأولوية القصوى في هذه المرحلة من الحملة للاستيلاء على المبادرة والحفاظ على الزخم الحاسم وتنويع وتوسيع الضغط على النظام الحالي لاستغلال نقاط الضعف. موسكو هي انتهازية على نطاق استراتيجي وقاصدة من الناحية التكتيكية داخل هذا الإطار الاستراتيجي إطار يرشد أين ومتى وكيف يمكن استغلال فرص زعزعة الاستقرار لتحقيق أقصى تأثير وفائدة وأين ومتى وكيف يمكن انحراف وإضعاف التحركات المضادة الغربية.
ولا يظهر قادة روسيا أي قلق بشأن عدم الاستقرار الناشئ عن أفعالهم لأن هذا هو غرض هذه السياسة. تتوافق إجراءات روسيا اليوم مع بعض المعادلات السياسية المألوفة للغاية فيما يتعلق بالأزمة وتغيير النظام. وكما فهم قادة السوفييت السابقون فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث للثورة هو فقدان الزخم وأعمال بوتين تعكس التزامه بمواصلة الضغط على الغرب من خلال الاستيلاء على الزخم في حملته والحفاظ عليه. كما أن ثقافة الفكر السياسي نفسها كانت تعني أن الأزمات في الأنظمة تتميز بتناقضات شديدة وموسعة يسبقها انهيار كل ما هو فاسد حسب قول لينين. بالنسبة لموسكو فإن الاختيار هو بين التقاعس الروسي واستمرار النظام الأمني الحالي أو العمل الروسي لزعزعة استقرار النظام الحالي. وكما أظهر العامان الماضيان اختار بوتين باستمرار اتخاذ إجراءات لزعزعة استقرار النظام الحالي فوق التقاعس الذي سيحافظ على هذا النظام.
إن نشر روسيا في سوريا هو بيان إجمالي لبوتين وإطلاق صاروخ الكروز نوع “كاليبر” في سبتمبر هو لحظة “صدمة ورهبة”. ومع ذلك فإن تصرفات بوتين في سوريا هي في نهاية المطاف مضللة ويائسة ومليئة بالمخاطر. إن النهج المعتاد الذي يتبعه بوتين في التعامل مع المشاكل يقدّر المخاطرة الاستراتيجية ولا يتسامى مع الفشل. إن تصرفات روسيا في سوريا تجعل هذا المزيج الصعب أصعب من ما كان سابقا. إن العمليات القتالية الروسية خارج الفضاء السوفياتي السابق تشكل خطراً على أجندة بوتين بالكامل إذا فشل الجيش وشوه سمعة روسيا.
لقد اعتمدت حملة بوتين حتى الآن على “اقتصاد جهد” وغموض لتحدي الغرب الأقوى. لكن في مناوراته السورية ربما يكون قد خرّب كل هذه التكتيكات. وكما شهدنا مع قصف الطائرة الروسية فإن سياسة بوتين كشفت عن تعرض روسيا للتطرف في الداخل والخارج. لقد وضعت تصرفاته استقرار روسيا الداخلي ودعم الشعب لحملته في خطر. كما أن تحرك بوتين في سوريا يخاطر بفتح جبهة ثانية للمنافسة مع الغرب أثناء إجهاد القوة الاقتصادية والقوة العسكرية الروسية من خلال الجهود المبذولة في أوروبا ضد أوكرانيا. من المدهش أنه يبدو أن بوتين لم يترك لنفسه استراتيجية خروج حقيقية من سوريا أو أوكرانيا أو المنافسة الاستراتيجية التي بدأها مع الغرب, في غياب انعكاس لأهداف سياسته الخاصة. نتيجة لذلك لديه خيارات أقل ووسائل أقل لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
وبينما تقوم تصرفات بوتين بأخذ العناوين بشكل دوري أو الاستيلاء على اهتمام الجمهور مؤقتًا فقد تبنى سياسة ناقصة من الناحية الاستراتيجية واعتمد أكثر فأكثر على أداة عسكرية قد لا تكون قادرة على تحقيق أهدافه بنفسها. إن الشراكة بين روسيا والأسد وإيران وحزب الله كوسيلة لحل الأزمة في سوريا وتخريب النظام الأمني الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة ليس بديلاً استراتيجياً للغرب لكنه البديل الوحيد لروسيا. وبالمثل فإن الشراكة بين روسيا والانفصاليين في شرق أوكرانيا ليست مقبولة بالنسبة لرؤية الغرب بأوروبا كاملة وحرة ولكنها أصبحت البديل الوحيد لروسيا لتحقيق أهدافها في المستقبل القريب وتخريب النظام الأمني الأوروبي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
تعكس قرارات بوتين في سوريا – كما هو الحال في أوكرانيا – الأولوية التي تضعها موسكو لتغيير النظام الأمني الإقليمي والعالمي حول روسيا لتفادي بذلك خسارتها الحتمية لوضعها كقوة عظمى وفقدان بوتين لقوته الشخصية في روسيا. لقد أدت الأعمال الروسية في سوريا إلى تحريك الأهداف الاستراتيجية الأوسع لموسكو من الظل إلى ضوء النهار. وتختبر موسكو الغرب عمداً لتحديد من سيكون أول من يتعب في المنافسة بين زعزعة الاستقرار أو الحفاظ على النظام الأمني الحالي.
غالباً ما يستخلص المراقبون في الغرب أن بوتين لا يملك إطاراً استراتيجياً إنه ليس استراتيجياً كبيراً بل هو خبير تكتيكي. يستند هذا الاستنتاج على افتراضات خاطئة وتفكير غربي تصويري. إنها لا تقدّر كيف تفكر القيادة الروسية بالفعل عن العالم حول روسيا أو تعمل لتأمين روسيا.
الأهداف الروسية ليست سراً. إن عقدين من محاولات تشجيع روسيا ما بعد السوفييتية لتكون جزءاً مستقراً وقوياً وضرورياً من النظام الأمني في فترة ما بعد الحرب الباردة يجعل من الصعب على العديد من المراقبين الغربيين قبول أن روسيا قد حولت سياستها من السعي إلى تكامل روسيا السوفيتية داخل النظام الأمني الحالي إلى نظام مصمم لتجدي النظام الأمني. لكن يجب أن يكون هذا الشيء واضح: تجاهل أو عدم تبرير أهداف بوتين وإطار عمله واستراتيجياته لا يضع سوى الشروط المسبقة للمفاجأة في المستقبل.

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf معنى الحملة الروسية في سوريايوليو 20, 2018 2:44 م 451 KB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*