السياسة الخارجية الأمريكية

كان للبعد الديني، بمصادره المختلفة وأصوله المتعددة في المجتمع الأمريكي، وما أفرزه من تيارات، تأثير واسع على السياسة الخارجية الأمريكية. ويبقى السؤال حول المحرك الرئيسي في السياسة الخارجية الامريكية

استطاع اليهود تهويد المسيحية خاصة مع الثورة البيوريتانية فى القرن السابع عشر، فطالب البيوريتانيون فى احترام العهد القديم، وطالبوا الحكومة البريطانية بأن تعلن التوراة دستورا للبلاد

عندما بدأت الهجرات اليهودية الى امريكا، والتي اعتبرها اليهود ارض الميعاد الجديدة، بعد اضطهادهم في معظم دول العالم (ماعدا في المدن الاسلامية) تحالفوا مع البروتستانتية لتصبح امريكا المبشر بالمسيحية الجديدة في العالم، وترسيخ مفهوم انها الرسول الجديد لهذا العالم، الذي يحارب الشياطين والشر

تضمنت السياسة الخارجية الامريكية مزيجاً من القيم البيوريتانية والقيم الليبرالية والقيم البراجماتية التى تقيس الأشياء بمقدار ما تقدمه من منفعة. ومع اعلام قوي، صورت امريكا نفسها انها النموذج الامثل في العالم من خلال عبارات رنانة مثل “القيم الأمريكية”، “الرسالة الأمريكية”، “الحضارة الأمريكية”، “الثقافة الأمريكية”، لتصبح امريكا مثل السحر “حلم كل شخص في العالم”.

الاهتمام الامريكي الديني فى المشرق العربى بدأ بسبب اعتقاد البروتستانت بالعقيدة الألفية، التى تؤمن بعودة المسيح وعودة اليهود لفلسطين، وكان هدف المبشرين الأمريكيين فى الشام موجهاً فى الأساس نحو دعم اليهود أكثر من الرغبة فى إنشاء طائفة بروتستانتية، بعد تغير الفكرة المسيحية الأوروبية السيئة عن اليهود، خاصة مع اعلان “لوثر” البروتستانتي أن اللغة العبرية هى اللغة الرسمية للكنيسة البروتستانتية، ويمكن القول ان لوثر كان ممن احيوا فكرة اعادة اليهود لفلسطين. مع ذلك نتج عن النشاط التبشيري للإرسالية الأمريكية فى الشام وجود طائفة بروتستانتية، اعترفت بها الدولة العثمانية في عام 1848م، لكن أدرك المبشرون الأمريكيون أن عملهم بين المسلمين محكوم عليه بالفشل، ان لم يركزوا جهودهم على دعوة الطوائف المسيحية الأخرى مثل الأرثوذكس والكاثوليك، وغيروا بالتالي تكتيكاتهم مع المسلمين للتركيز على التبشير بالحضارة الغربية عن طريق مدارس ومستشفيات امريكية لخلق تيارات تدين لهم بالولاء الفكري

اتبعت امريكا قبل الحرب العالمية الاولى مبدأ مونرو في سياستها الخارجية، من خلال منع نفسها من التدخل بالصراعات خارج اراضيها، لكن الارساليات التبشيرية لم تتوقف، وعندما قررت امريكا الخروج من عزلتها، وجدت إرسالياتها منتشرة في دول العالم فمدت لها حمايتها ورعايتها واستفادت من وجودها ومعرفتها بالمجتمعات. ففي الفترة من عام 1815م إلى 1914 اطلق اسم “القرن الاعظم على الإرساليات المسيحية”، حيث عملت بريطانيا وامريكا على ارسال المبشرين والمستشرقين الى كافة البلاد ومنها بلاد الشرق لفهم ودراسة التركيبات المجتمعية

صورت امريكا حربها على الاتحاد السوفييتي على انه حرب ضد الشيوعية الكافرة من خلال قانون الرب، ومشروع بالون الإنجيل، وفي عام 1956 اصبح شعار “نحن نثق بالرب” شعار امريكا، وطبع هذا الشعار حتى على الدولار. لم يستطع اي رئيس امريكي اخفاء البعد الديني في السياسة الامريكية، حيث قال كارتر في خطاب القاه عام 1978

“ان دولة إسرائيل هي أولاً وقبل كل شيء عودة إلى الأرض التوراتية، التي أخرج منها اليهود منذ مئات السنين”

 صورت امريكا حربها على الاسلام على انها حرب على الارهاب، وباستخدام مصطلحات ومفاهيم تعطى نفس المضامين للقارئ بين السطور، كاستخدام لفظ اسلاميين بدل مسلمين، وعن طريق بناء تحالفات دولية من دول واديان مختلفة ان ماارادت ضرب دولة مسلمة، ولكن في كل فترة نسمع تنفيسا من قيادي امريكي عن البعد الديني للسياسة الخارجية الامريكية كما حصل مع الجنرال الامريكي بويكن في فترة حكم بوش الابن عندما قال “أعتقد أن ربي رب حقيقي، وأن رب المسلمين ليس برب حقيقي” وهو ماتسبب بجدل امريكي، ليسارع ساسة امريكا في الترقيع له.

بناء على ماسبق، فيرجح ان الدين هو البعد الحقيقي للسياسة الخارجية الامريكية مدعوما بتحالف مع القوى الرأسمالية وليس بالعكس

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*