الحرب الآيدولوجية

#الجزء_الاول
الايديولوجيا هي مجموعة المعتقدات والقيم والمبادئ التي يؤمن بها الشخص ويرى العالم من خلالها، وتحدد سلوكه وتصرفاته، ومانعيشه اليوم هو في الحقيقة حرب ايديولوجية، والتي تكون القوى العسكرية والاقتصادية والفكرية اهم مرتكزاتها، لكن لاتعني الهزيمة العسكرية والاقتصادية فعليا هزيمة الايديولوجيا والتي تعاود النمو من جديد ان بقي لها قوة فكرية. وعلى العكس فانهيار القوة الفكرية سيؤدي حتما الى هزيمة الايديولوجيا

يمكننا العودة للخلف قليلا لنعلم ان حرب الايديولوجيات قديم قدم التاريخ، وفي العصر الحديث يمكن ضرب مثال عن الحرب على الايديولوجيا النازية من قبل الايديولوجيات الشيوعية والليبرالية، ثم بدء الحرب الباردة بين الايديولوجيا الشيوعية والليبرالية، عن طريق سباق التسلح وامتلاك قوة الردع والتنافس على سرقة مقدرات بلدان العالم الثالث وكسبهم لصالح هاتين الايديولوجيتين. عاشت البلاد العربية في فترة صراع الايديولوجيتين الشيوعية والليبرالية بين مؤيد لهذه وتلك، لتنتهي الحرب الباردة بانتصار الايديولوجيا الليبرالية في نهاية القرن الماضي وسيطرتها على اوروبا الشرقية ثم على موسكو نفسها وكان افتتاح مطعم ماكدونالدز في موسكو المعلم الرئيسي لانتصار الايديولوجيا الليبرالية على الشيوعية، لتبدأ بعدها الايديولوجيا الليبرالية حربها على الايديولوجيا الاسلامية، وتحالفت لتحقيق ذلك مع الايديولوجيا الشيعية في سيناريو مشابه لتحالف الايديولوجيا الشيوعية والليبرالية ضد النازية، فحديث امريكا بعد سقوط الايديولوجيا الشيوعية عن الحرب على الارهاب هو في الحقيقة محاربة الايديولوجيا الاسلامية والتي يسميها بعض الكتاب الغربيين الفاشية الجديدة الخضراء” (le nouveau fascisme vert). فالايديولوجيا الاسلامية كما يراها الغرب قوة قادرة على تهديد الايديولوجيا الليبرالية ومبادئها وقيمها، ان استطاعت جذب اتباع لها.

تتصف الايديولوجية الليبرالية بأن لها جيوش حديثة ومقدرات مالية هائلة ومراكز ابحاث لدرجة اصبح من الصعب على الايديولوجيات الاخرى مجاراتها، واستطاع الغرب تسويق ونشر ايديولوجيته الليبرالية في العالم بل واجبر الناس على اعتناقها تحت مسميات رنانة، في المقابل لايمكن النظر الى الايديولوجيا الاسلامية في سياق زمني او تاريخي قصير، خاصة في العصر الحديث، فالايديولوجيا الاسلامية احتلت الصدارة في العالم على مدى قرون طويلة بل وقضت مضاجع القناصل الأوروبيين حتى نهاية القرن التاسع عشر والتي كان يقال وقتها انها مواجهة إيديولوجية بين الإسلام والحضارة. تخوف الغرب هذا اجبره على تقسيم المسلمين ومنع ظهور قوة تقوده، وصحيح ان الصدارة اليوم للايديولوجيا الليبرالية والتي تجذب اعداد غفيرة من الناس خاصة مع انهيار معظم الايديولوجيات الاخرى في العالم، لكن حصل تغيير كبير مؤخرا، حيث بدأت الايديولوجيا الليبرالية بالترنح، فنحن نشاهد تصدعا بين الدول التي تجمعها هذه الايديولوجيا على المستوى المالي مع رغبة امريكا اعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة الحرة مثل نافتا وبريكست ورغبة امريكا تحمل اوروبا اعباء مالية اكبر لحماية الايديولوجيا الليبرالية، كما نرى تصدعا في حلف الناتو والذي يعتبر جيش الايديولوجيا الليبرالية، ونرى دعمها ديكتاتوريات بشكل يعارض مبادئها وقيمها المعلنة والتي تستخدمها كمرتكز فكري لجذب اتباع لها العالم

ان السماح لهذه الديكتاتوريات بارتكاب مجازر واستخدام اسلحة محظورة، بل ومشاركة دول الايديولوجيا الليبرالية المباشرة في قتل مدنيين وتدمير مدن عمرها مئات السنين، وفشل المنظمات الدولية التي انشأتها لحماية مبادئها على القيام بدورها يعني ان مرتكز القوة الفكرية للايديولوجيا الليبرالية بدأ بالانهيار، وبالتالي لم يعد بمقدورها التطور او الاستمرار وانما الاعتماد على مرتكزاتها العسكرية والمالية فقط لفرض ايديولوجيتها بالقوة على العالم، وهذا قد يتحقق على المدى القريب لكنه مستحيل الاستمرار.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*