معالم في الطريق |1

#دين
#كتاب_معالم_على_الطريق_سيد_قطب
(ملخص اول 7 صفحات)

تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية بسبب إفلاسها من حيث “القيم”، وهذا واضح سواء في المعسكر الغربي الذي لم يعد يمتلك الحد الأدنى من القيم بالإضافة إلى إفلاس “الديمقراطية” في إقناع العالم باستحقاقها للوجود، ناهيك عن المعسكر الشرقي الذي تراجعت نظرياته الجماعية بعد جذبها للكثير من الناس في الشرق – والغرب أيضاً – كمذهب يحمل طابعاً عقدياً.

إن قيادة الرجل الشرقي أو الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لا لأنها ضعفت من الناحية المادية أو العسكرية، ولكن لأنه لم يعد يمتلك الرصيد الكافي من القيم التي تسمح له بالقيادة. لقد أدت النهضة العلمية دورها من حيث الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، ولكن لم يتمكن أي منهج أو نظام، سواء كان قومياً أو وطنياً أو …، من تجنيب البشرية من الوصول إلى الهاوية.

إن ما يعيشه العالم الآن يذكرنا بما كان يعيشه أيام الجاهلية عندما جاء دور الإسلام ودور الأمة في أشد الساعات حيرة وحيرة واضطراباً. لقد جاء دور الإسلام الذي لا يتنكر للحضارة المادية في الأرض، حيث أن الإبداع المادي يُعد جزءا لا يتجزأ من وظيفة الإنسان منذ استخلفه الله في الأرض، بل إنه يعتبره عبادة لله وتحقيقاً لإحدى غايات الوجود الإنساني. وهنا جاء دور الأمة المسلمة “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر” (آل عمران:10)، “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً” (البقرة: 143).

ولكن الإسلام لا يمكن أن يقوم بدوره دون أن يتمثل في مجتمع (أمة). وهذه الأمة ليست أرضاً كان يعيش فيها الإسلام، وليست قوماً عاش أجداده يوماً ما تحت النظام الإسلامي، إنما هي جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم ومبادئهم وقيمهم وموازينهم من المنهج الإسلامي. وهذه الجماعة التي تحمل هذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ زمن بعيد، ولا بد لها من عودة لإنقاذ البشرية وقيادتها إلى بر الأمان.

ولا بد من امتلاك هذه الأمة لمؤهلات معينة حتى تقوم بدورها. ولا نقصد هنا مؤهلات الإبداع المادي الذي لا يمكن وصفه كمؤهل، بل كضرورة ذاتية لوجودنا وكواجب يفرضه علينا التصور الإسلامي للاستخلاف في الأرض. إن ما نقصده مؤهلات المنهج الذي يحافظ على نتاج الإبداع المادي، ولكن تحت إشراف التصور الإسلامي للوجود.

إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي ينبثق منه وجودنا. هذه الجاهلية التي جعلت الناس بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين بمعزل عن منهج الله للحياة بما لم يأذن به الله، مما أدى إلى امتهان كرامة الأفراد والشعوب والسيطرة عليهم بواسطة الرأسمالية والاستعمار وغيرها.

وهنا يكمن تفرد المنهج الإسلامي في تحرير الناس من عبادة بعضهم لبعض بعبادة الله وحده والتلقي من الله وحده والخضوع لله وحده، وهذا ما تستطيع الأمة تقديمه للبشرية ولا تستطيع البشرية إنتاجه.

ولكن، حتى تتمكن الأمة المسلمة من تقديم ذلك للبشرية عليها أن تعيشه أولاً، ولذلك لا بد من عملية بعث في الأمة، يتبعه تسلم قيادة البشرية. وحتى تبدأ عملية البعث الإسلامي، لا بد من طليعة عازمة، تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض، تزاول العزلة من جانب، وتزاول الاتصال من الجانب الآخر بتلك الجاهلية المحيطة. ولا بد لهذه الطليعة من معالم تحدد لها طبيعة دورها ووظيفتها وجوهر غايتها ونقطة البدء في رحلتها الطويلة. كما تحدد موقفها من تلك الجاهلية وأين تلتقي مع الناس وأين تفترق، وكيف تخاطب أهل هذه الجاهلية بلغة الإسلام وفيم تخاطبها. وهذه المعالم لا يمكن تحديدها إلا من المصدر الأول لهذه العقيدة: “ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين”.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*