سياسة

لعل اهم تعريف للسياسة هو تعريف معجم روبير بأنها “فن إدارة المجتمعات الإنسانية”، وتعريف الفارابي على انها معرفة قواعد التصرف الأنسب في السلوكيات الاجتماعية. ووافق ابن القيم الشافعي في ان ” لا سياسة إلا ما وافق الشرع واضاف أبن القيم لهذا القول بأن “لا سياسة إلا ما وافق الشرع ولم يعارضه” ،للتمييز بين ما نطق به الشرع وما وافق الشرع لفتح باب الاجتهاد وإعمال العقل ضمن الشرع أمام العلماء بما يتوافق مع الظروف الاجتماعية المتغيرة.

بدأ الحديث عن السياسة منذ القدم، واول الكتابات كانت لأفلاطون فالسياسة بنظره ينبغي أن تكون خاضعة للأخلاق، وأضاف ان كل نظام سياسي يحمل في داخله بذور النظام السياسي الجديد الذي سيخلفه. ثم كتب هوبز عن السياسة، ويعتمد الغرب كثيرا على فلسفته التي يرى من خلالها ان كل شيء في العالم مادي محض، وان الانسان متوحش، يتوجب قمعه ليتهذب، وبالتالي لا وجود للاخلاق. روسو الفرنسي على عكس هوبز، اعتقد أن الإنسان اصله طيب ولكن المجتمع يفسده، وعندئذ يصبح أنانيا ولإعادة الإنسان إلى طيبته لا بد من عقد اجتماعي عادل للجميع.

مازال علماء السياسة على اختلاف حتى هذا اليوم في ما هو الحكم السياسي الافضل، والممثل بحكم الشعب للشعب (ديمقراطية) والحكم الجبري (ديكتاتورية)، او تكنوقراطية (حكم الخبراء) او ميرتوقراطية (حكم المؤهلين). هذا الاختلاف يأتي من ان جميع الانظمة السياسية الحالية مبنية على نظريات لاترقى لأن تكون علوما. يقول الفيلسوف الفرنسي شتراوس عن العلوم الاجتماعية، “أشك فيها”، لان الظواهر الاجتماعية غير قابلة للملاحظة والتكميم والتجريب فهي غير ثابتة ومتحولة، مما يجعل إخضاعها للتجربة كالعلوم الطبيعية أمراً مستحيلا.

السياسة في المحصلة هي اجتهادات حول ادارة المجتمع والدولة والسلطة، ولا وجود فعلي لنظام سياسي يمكن تكميمه وتعريفه وتوصيفه، ومناداة أي شخص الآن بتبني او تشريع نظام سياسي معين يعني نقص في فهم مشاكل الانظمة الحالية. فلاوجود لنظام سياسي جاهز للشراء من السوق. فالسياسة تتطور كل يوم، والأمم تتهاوى كل عصر بسبب فشل النظريات السياسية، وبسبب تفاعلات السياسة الخارجية، خاصة من المنظور الجيوسياسي (السياسة الجغرافية)  حيث تربط السياسة بالتاريخ والتجارب السابقة والتفاعلات الحاصلة بين الدول.

ان اهم النظريات السياسية التي خرجت للضوء هي:
النظرية الليبرالية: يقودها الغرب، لكن أخذتها امريكا مؤخرا الى منحى جديد سمي الليبرالية الحديثة والتي أصبحت كدين جديد تجبر عليه جميع حكومات العالم من خلال العولمة (تعميمه في العالم)، والذي أصبح مشابها للشيوعية من خلال استنساخ الدول وحرمانها من تقاليدها وثقافتها، بل وتحويل الانسان الى عبد للمادة، مؤخرا اتضح أيضا لكثيرين من اتباع الليبرالية ان الغرب يدعم الانظمة الديكتاتورية ان كان ذلك يتوافق مع مصالحه الامنية والاقتصادية كما يحصل في ايران ومصر وسوريا تحديدا، وهو بحد ذاته دليل على الخلل ليس في النظرية فحسب بل في تبني الغرب لها كنظام سياسي. ونهاية فالعقل الجمعي للشعب يؤدي عادة الى هلاك المجتمع فالشعب عادة يريد انتخاب من يعطيه ساعات عمل اقل وخدمات مجانا ورواتب اعلى ورفاهية اعلى بغض النظر عن المصلحة العامة.

النظرية  اليسارية: ينقسم اليساريون إلى اتجاهات ثلاثة وهي: اليسارية القديمة، والشيوعية القومية، واليسارية الحداثية، ومع سقوط الاتحاد السوفييتي وفقر شعوب الدول التي تبنتها، انحسرت هذه النظرية كثيرا ولم يبقى منها الا شعارات واحزاب سياسية فاشلة.

النظرية الفاشية: ظهرت وسقطت في ايطاليا والمانيا. ومازال هناك القليل من اتباعها حتى الآن حول العالم

النظرية الرابعة: وتحدث عنها الفيلسوف الروسي اليكسندر دوجين وتتحدث عن بناء منظومة سياسية اخلاقية، تعترف بحقوق جميع الشعوب وحريتها وتقاليدها وثقافتها بعيدا عن تسلط الانظمة الغربية وفرض قيمها على العالم، حسب دوجين فالنظرية الرابعة تعيد الاخلاق للصدارة وتعيد الفرد الى روحانيته. كما يرى دوجين ان العالم السياسي ينتظره مصير مأساوي، من خلال انهيار آخر النظريات السياسية وهي الليبرالية.

الغريب ان دوجين يرى ان بناء المجتمع لايمكن ان يتم الا من خلال نظام قمعي ابتداء، فالقمع الذي عرفته روسيا في القرن  السادس عشر، على يد ايفان الرهيب كان له الفضل في قيام الحضارة الروسية وحسب قوله فإن بناء الامبراطوريات لايتفق مع الديمقراطية.

ولا توجد فعليا دولة في العالم تتبع نظام سياسي مكمم، والتعريف المناسب حالياً للانظمة في الغرب هو “حكم الشعب بنخب مخفية مع اعطاء الشعب حرية الاختيار في الامور التي لا تؤثر على أمن الدولة او قيمها”.

أما المسلمون الآن، فإن أكبر تحدي لهم هو ايجاد منظومة سياسية ضمن بيئة اعداء يحاربونها، وتصدر الرويبضيون بسبب الجهل وبسبب عدم وجود علماء حقيقيون يستطيعون رسم معالم دولة اسلامية تستطيع جذب المسلمين اليها. ومن يدعون انه علماء اليوم مازالوا هواة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*