استراتيجية للنجاح في ليبيا

استراتيجية للنجاح في ليبيا

بقلم إيملي إستيل
ترجمة الأستاذ: حازم المصري
المقال نشر في المؤسسة الأمريكية للأعمال AMERICAN ENTERPRISE INSTITUTE …

تحتاج أمريكا إلى سياسة جديدة في ليبيا. إن النهج الحالي يفشل، ومن المرجح أن يترك ملاذا آمنا دائما لتنظيمي الدولة والقاعدة على الحدود الجنوبية لأوروبا. وهذا المستقبل سيعزز الحركة السلفية الجهادية العالمية، ويسهل الهجمات المستقبلية ضد الولايات المتحدة وأوروبا، ويتطلب حملة أمريكية دائمة لمكافحة الإرهاب في ليبيا.
تكلفة استمرار الضربات الموجهة في ليبيا إلى أجل غير مسمى كبيرة. الطائرات بدون طيار، والطائرات المأهولة، والمراقبة والاستطلاع، والمحللون والمشغلون، والذخيرة الذكية تكاليف باهظة. تخصيصهم إلى ليبيا يحرم المناطق الأخرى منهم. الاعتماد على هذه الاستراتيجية، حتى لو كانت ناجحة، أرخص من التدخل الأكثر نشاطا على المدى القصير فقط. وقد أظهرت عقود من هذه الاستراتيجية كيف أنه من غير المرجح أن تنجح وأن التكاليف المحتملة لمواصلة تنفيذها أكبر.
الأزمة الليبية لا تقتصر على ليبيا. وقد أدى انهيار الدولة الليبية منذ عام 2011 إلى زعزعة استقرار حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء شمال أفريقيا، وإثارة منافسات جيوسياسية، و إلى تفاقم أزمة الهجرة إلى أوروبا. ومع ذلك، تواجه الولايات المتحدة فرصة في ليبيا اليوم وتحديا. ليبيا هي منطقة كبيرة ولكن عدد سكانها صغير يبلغ حوالي ستة ملايين نسمة، يتركز معظمهم على طول الشريط الساحلي الضيق. الأمن ضعيف، والجماعات السلفية الجهادية قوية، ولكن الوضع ليس سيئا كما هو الحال في سوريا واليمن والعراق، أو حتى الصومال. فالالتزام بكم صغير نسبيا من الموارد دعما لاستراتيجية شاملة يمكن أن ينهي بشكل دائم التهديد للأمن الأمريكي والأوروبي، ويوقف زعزعة استقرار دول شمال أفريقيا الرئيسية، ويوجه ضربة قوية للحركة السلفية الجهادية على الصعيد العالمي.

لماذا يجب على أمريكا التصرف الآن:
لا توجد دولة ليبية اليوم. فقد علق البلد في حلقة من عدم الاستقرار منذ أن انهت الثورة وتدخل الناتو حكم معمر القذافي الذي دام أربعة عقود في عام 2011. وأطلق سقوط القذافي تيارات مزعزعة للاستقرار كان تلاعبه بالمجتمع الليبي قد عززها و كبتها في نفس الوقت. فشلت اتفاقات السلام والحكومات الانتقالية مرارا وتكرارا، وانحدر البلد إلى حرب أهلية. لدى ليبيا الآن ثلاث حكومات متنافسة وشبكة متزايدة من الميليشيات التي تتنافس للسيطرة على مدنها ونفطها. ومن غير المرجح أن تحل عملية السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة الصراع.
كان انهيار ليبيا فرصة رئيسية للمجموعات السلفية الجهادية مثل تنظيمي القاعدة والدولة. وتدفقت أسلحة من ترسانة القذافي إلى مقاتلين في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط. تنظيم القاعدة و في وقت لاحق تنظيم الدولة أسسا فروعا في ليبيا، حيث قاموا بتجنيد وتدريب المقاتلين، التربح من التهريب ،إنشاء قواعد للقيادة ، وإعداد الهجمات على الدول المجاورة وأوروبا. كما تسمح ثغرات الحكم الليبية والفراغات الأمنية للجماعات السلفية الجهادية بالسيطرة على السكان وحكمهم دعما لهدفهم الطويل الأجل المتمثل في تغيير و تحويل المجتمعات الإسلامية. ليبيا هي واحدة من أماكن قليلة جدا في جميع أنحاء العالم حيث الحركة السلفية الجهادية العالمية يمكن أن تؤدي هذه المهام الأساسية على نطاق مجدّ.
المصالح الأمريكية في ليبيا تتعدى التهديد السلفي الجهادي. حيث تسعى روسيا إلى التأثير في ليبيا للضغط على أوروبا، وتحدي علاقة أمريكا مع مصر، وإطلاق القوة العسكرية في جنوب البحر المتوسط. كما تعد ليبيا مسرحا لتنافس القوة بين دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مع حلفاء وشركاء أمريكيين من كلا الجانبين. كما أن ليبيا عقدة عبور رئيسية لتدفقات المهاجرين المزعزعة لاستقرار أوروبا.
ليبيا اليوم سيئة. غدا ستكون أسوأ بكثير. الجماعات السلفية الجهادية تتعزز من ملاذاتها الآمنة في الصحراء الليبية. أصبحت البلاد وجهة ذات أولوية للمسلحين الفارين من الخسائر في الساحات الأخرى ويستعدون للتسلل إلى أوروبا. وقد ساعدت ليبيا بالفعل في زعزعة استقرار تونس وأضعفت مصر والجزائر. الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل الأزمات في دول الجوار المكتظة بالسكان تلك و التي تمثل حلفاءا حيويين. ليبيا هي أيضا مأساة إنسانية تلوح في الأفق، والمجتمع الدولي ليس مجهزا للتعامل مع المزيد من الأزمات أو الهجرة. لقد قللت الولايات المتحدة من أهمية ليبيا من قبل ولا تستطيع أن تفعل ذلك مرة أخرى. لقد حان الوقت للتصرف قبل أن تصبح أسوأ السيناريوهات حقيقة واقعة.
المشكلة الخطأ، الاستراتيجية الخطأ:
ركزت السياسة الأميركية الأخيرة في ليبيا على مساعدة الجهات الفاعلة المحلية على طرد تنظيم الدولة من الأرض التي استولى عليها، وتعطيل تخطيط داعش لهجمات خارجية، واحتواء عدم الاستقرار في ليبيا بقدر محدود. وقد وفرت الولايات المتحدة، التي ليس لها حاليا وجود دبلوماسي في ليبيا بعد كارثة بنغازي عام 2012 وإغلاق السفارة الأمريكية في طرابلس عام 2014، دعما دبلوماسيا محدودا لحكومة وحدة تدعمها الأمم المتحدة. وقامت القوات الأمريكية بعمليات عسكرية متقطعة لاستهداف عقد التهديد الخارجي وحرمان تنظيم الدولة من الأرض.
وتعطي السياسة الحالية الأولوية للدفاع قصير الأجل على النجاح ذو المدى الطويل. لقد فشلت في تحقيق استقرار ليبيا وهزيمة تنظيم الدولة، وأدت إلى استمرار الظروف التي تغذي التجنيد للجماعات السلفية الجهادية. ويتجاهل التركيز على تنظيم الدولة أيضا المدى الكامل للتهديد السلفي الجهادي في ليبيا، والذي يتضمن وجودا هاما للقاعدة لا تعالجه الاستراتيجية الأمريكية بشكل مجد.
وتكمن عيوب هذه الاستراتيجية في سوء فهم التهديد الإرهابي. إن الجماعات الإرهابية في ليبيا التي تهدد الولايات المتحدة- تنظيم القاعدة، تنظيم الدولة و من يتبعونهم هي مظاهر للحركة السلفية الجهادية العالمية. وهدفهم النهائي هو تحويل المجتمعات الإسلامية بعنف إلى إقامة نظام حكم في ظل تفسير أصولي للشريعة . ويستخدمون الهجمات الإرهابية عندما يعتقدون أنها أكثر فعالية، ولكنهم يستخدمون أيضا الحرب التقليدية، التمرد، والأنشطة غير العسكرية و التي كنا سنسميها في الظروف العادية استقرار، إعادة إعمار، حل نزاعات إذا لم يكن يتم تنفيذها من قبل أعدائنا. يجب على الولايات المتحدة أن تعترف أخيرا في ليبيا كما في أماكن أخرى بأن تعريف خصومنا على أنهم إرهابيون واتباع استراتيجية محضة لمكافحة الإرهاب سيؤدي إلى الفشل. الولايات المتحدة ببساطة لا يمكنها كسب هذه المعركة بالقنابل وحدها. يجب أن تركز أي استراتيجية ناجحة على تأمين السكان الليبيين ضد الحركة السلفية الجهادية. تصبح هذه الحركة قوية عندما تقوم بتكوين الاتصالات مع السكان. وهذه الاتصالات ممكنة عندما تواجه المجتمعات الضعيفة أو المهددة تهديدات وجودية تجعلها غير قادرة على مقاومة الجماعات السلفية الجهادية أو تجبرها على اللجوء إلى هذه الجماعات من أجل الإدارة أو الدفاع. في ليبيا، مصدر هذه التهديدات هو الصراع الأهلي. انهيار الدولة الليبية والمجتمع بعد 2011 سمح للجماعات السلفية الجهادية بالتسلل والاستيلاء على المجتمعات الليبية. ويزداد ملاذ السلفيين الجهاديين الليبيين نموا أكثر فأكثر حيث أن هذه الجماعات تقيم روابط أكثر استمرارية وسط استمرار عدم الاستقرار. إن تأمين السكان الليبيين ضد الحركة السلفية الجهادية يتطلب حل الصراع النشط وإغلاق الثغرات في الحكم والأمن على المستوى المحلي. يجب على الولايات المتحدة تحويل النموذج المشكل لسياستها لمكافحة الإرهاب من أجل منع التهديد المتفاقم من ليبيا ووضع المعركة الأكبر ضد الحركة السلفية الجهادية على طريق النصر.
ما الذي يمكن القيام به؟:
يجب على الولايات المتحدة تنفيذ استراتيجية لحل الأزمة السياسية الليبية و إغلاق فجوات الحكم و الأمن على مستوي دون الدولة. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إزالة الأوضاع الكامنة وراء عدم الاستقرار الإقليمي ونمو الحركة السلفية الجهادية. ويتطلب الأمر إنجاز خمس مهام رئيسية:
• دعم التوصل إلى تسوية سياسية عن طريق التفاوض لإيجاد هيكل مقبول للحكم والأمن؛
• تحديد وتدريب وإرشاد ومساعدة القوات الشريكة الليبية في تدمير التهديدات السلفية الجهادية وتأمين الأراضي والمجتمعات الليبية.
• تمكين المجتمعات المحلية من عزل الجماعات والأفراد السلفيين الجهاديين.
• إلغاء حوافز الجهات الفاعلة لمواصلة النزاع؛ و
• الضغط على الدول الإقليمية لوقف المشاركة العسكرية ودعم تسوية سياسية شاملة.
القيادة الأمريكية مطلوبة لتحقيق حل دائم في ليبيا. يجب على الولايات المتحدة أن تلعب دورا رائدا، مع الحلفاء والشركاء، في حل الحرب الأهلية الليبية وإرساء الحكم والأمن على المستوى المحلي. يجب أن يقترن هذا النهج الشامل بجهود الولايات المتحدة والحلفاء والشركاء لهزيمة الجماعات السلفية الجهادية في ليبيا والقضاء على ملاذاتهم الآمنة. ويهدف مفهوم العمليات إلى خلق جيوب من الاستقرار تدعم في نهاية المطاف إقامة حكم وأمن مقبولين في جميع أنحاء ليبيا. وتتألف من أربعة خطوط متزامنة من الجهد:
• السياسية. تقوم الولايات المتحدة مع شركائها بالانخراط دبلوماسيا بشكل متزامن من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى لحل الأزمة السياسية الليبية.
• المؤسسات دون الدولة. تقدم الولايات المتحدة والحلفاء والشركاء خدمات هامة من خلال الهياكل الليبية لسد الثغرات في الحكم ومنع حدوث أزمة إنسانية.
• الأمن. وتقوم القوات الأمريكية والقوات المتحالفة بتدريب وإرشاد ومساعدة قوات الأمن الليبية على تأمين السكان وهزيمة الجماعات السلفية الجهادية.
• بيئة. تطبق الولايات المتحدة وحلفاؤها المحفزات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية للقضاء على حوافز مختلف الجهات الفاعلة لإطالة أمد الصراع في ليبيا.
المداخل الأخرى ستفشل. تفويض مشكلة ليبيا إلى الحلفاء والشركاء سيستمر بالفشل بسبب الدور الذي تلعبه المنافسة الجيوسياسية في إدامة الصراع الليبي. كما أن دعم رجل قوي في ليبيا سيفشل أيضا لأنه سيعزز المظالم التي تعزز الحركة السلفية الجهادية وتفيد خصوم الولايات المتحدة من أجل الحصول على استقرار على المدى القصير. وستثبت هذه الاستراتيجيات القصيرة الأجل أنها مكلفة على المدى الطويل لأنها تتطلب دورة مستمرة من التدخل الأمريكي لمواجهة التهديدات الدائمة. ويسعى هذا التقرير إلى توفير إطار استراتيجي لصانعي السياسات والممارسين الأميركيين لضمان الحد الأدنى من المصالح الحيوية في ليبيا. ولذلك فهو يركز فقط على مصالح وأولويات الولايات المتحدة. ويجب ألا يحجب هذا التركيز إرادة الشعب الليبي أو اهتماماته، التي تعتبر حاسمة لنجاح استراتيجية ترتكز على حل الصراعات وإدارتها. ويقدم هذا التقرير تقييما للمسرح الليبي والجهات الفاعلة الرئيسية المعنية بهدف التوصية بنهج استراتيجي بدلا من تطوير خطة تنفيذية. وستتطلب أي خطة من هذا القبيل إيجاد فروقا خفية إضافية تفسر الاختلافات بين المجتمعات والأفراد، كما أن تحديد حجم و مكونات القوة المطلوبة يتجاوز نطاق هذا الجهد التخطيطي. وأخيرا، يستند هذا التقييم إلى الخصائص الرئيسية للصراع في ليبيا. وقد تتطور الحالة في ليبيا بحلول وقت النشر، ولكن من غير المرجح أن تتغير التقديرات الأساسية التي تستند إليها الاستراتيجية الموصى بها تغيرا كبيرا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*