لإنهاء الحرب: دور أوربا في تقديم السلام إلى سوريا

لإنهاء الحرب: دور أوربا في تقديم السلام إلى سوريا
المؤلف: جوليان بارنز ديسي

• تجدد الولايات المتحدة وروسیا الجھود الرامیة إلی تعزیز خفض التصعيد المحلي في سوریا. ويوفر هذا النهج أكثر الطرق فعالية للحد من العنف، وتعزيز بعض الإغاثة للسكان السوريين، ومعالجة المصالح الأوروبية الأوسع نطاقا. ولكنهم يهملون الحاجة إلى إطار سياسي.
• ینبغي علی الأعضاء الأوروبیین في المجموعة الدولیة لدعم سوریة (محادثات فيينا للسلام في سوريا) أن یدفعوا إلی اتباع نھج یرکز علی السیاسة الوطنیة جنبا إلی جنب مع جھود خفض التصعید، مع الابتعاد عن نھج لا یؤخذ إلا بالزاویة الوطنیة بعد وقف إطلاق النار. وحتى لو بدأت محاولات وقف إطلاق النار بشكل مجزأ فإنها لن تكون دائمة إلا إذا ربطها المفاوضون بمسار سياسي وطني.
• لا یزال الأسد عازما علی استعادة السیطرة علی جمیع سوریا، ولکن قیود القدرات ستحد من تقدمه. يجب على الأوروبيين دعم نهج نقل السلطة الذي يحفز إعادة إدماج أكثر ليونة للمناطق الخاضعة لسيطرة النظام. ومن شأن ذلك أن يوفر درجة من الحكم الذاتي المحلي لما تبقى من معاقل المعارضة.
• يشير قرار فرنسا الأخير لدعم خفض التصعيد إلى أنه قد يكون هناك فرصة للأوروبيين لمواءمة هذه الجهود مع السياسة الوطنية. لكن الفرنسيين بحاجة إلى التركيز على تشكيل تحالف أوروبي متماسك قادر ذو مرونة الدبلوماسية.
بعد ست سنوات من الصراع الوحشي، دخلت الحرب الأهلية السورية مرحلة جديدة. ومع انتصارات بشار الأسد في المناطق المهمة من البلاد ودعم الجهات الخارجية لمناطق الأطراف الغير تابعة للنظام، فإن واقعا جديدا قائما على مناطق نفوذ مدعومة دوليا آخذٌ في الظهور. وتستند جهود التهدئة الحالية إلى حد كبير على هذه الفرضية.
يواجه الأوروبيون الآن خيارا حاسما. يمكنهم أن يرفضوا هذا المسار المقترح على أساس أنه لا يحقق انتقالا سياسيا ويخاطر بترسيخ التقسيم؛ أو أنه بإمكانهم أن يدفعوا ويدعموا عملية لخفض التصعيد يقودها مسار سياسي فعّال. تناقش هذه الورقة أن على الأوروبيين اختيار الخيار الثاني. إن حكم الأسد المستمر يسيء إلى الإحساس الأوروبي بالعدالة، ولكن لسوء حظ الأوروبيين ليس لديهم خيار آخر إذا ما كانوا يريدون إنهاء الحرب وتقديم السلام إلى سوريا. ويوفر هذا المسار الآن أكثر الوسائل فعالية لاستقرار تقديم الإغاثة الإنسانية التي بأمس الحاجة إليها الشعب السوري، فضلا عن معالجة الظروف التي تغذي تدفقات اللاجئين والتطرف.
وتقول هذه الورقة إن الجهود الحالية الرامية إلى تخفيف حدة التصعيد محكوم عليها بالفشل لأنها تفتقر إلى ترتيبات سياسية دولية صالحة ترتبط بترتيبات وقف إطلاق النار. وعلى النقيض من تسلسل المفاوضات الحالية، فإن هذه الورقة تقول إن السياسة الوطنية يجب أن تأتي في مقدمة وقلب جهود خفض التصعيد ولا يمكن تأجيلها إلى ما بعد تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل دائم. وقف إطلاق النار المحلي لن يكون دائما إلا إذا ارتبطت مباشرة برؤية سياسية وطنية تقوم بها الأطراف المتحاربة المختلفة، وعلى وجه الخصوص النظام. فبدون شعور واضح بمظلة سياسية استراتيجية أوسع يظل كل وقف لإطلاق النار في أحسن الأحوال هشّاً، وفي أسوأ الأحوال تمهيدا لمرحلة جديدة من الحرب الأهلية.
ومن الواضح الآن أن عملية سياسية قابلة للحياة لا يمكن أن تكون من دون الأسد، الذي كان دائما نقطة انهيار المبادرات السابقة. ويجب أن تتضمن الرؤية السياسية الآن الواقع على الأرض، وهو أن يظل النظام لاعبا مهيمنا في المستقبل المنظور. وفي هذا السياق، تقترح هذه الورقة القيام بنقل سلطة وطني فوري لصالح الاسد كوسيلة ضرورية لإبرام اتفاقات محلية دائمة وذلك بسبب الصعود العسكري للنظام الذي لا يمكن معاوضته. وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار لن يكون قائما في كل مكان، فإن الفرص التي ستظهر في المستقبل ستتاح لها فرصة أفضل إذا ما ارتبطت بهذه الرؤية السياسية الأوسع نطاقا.
قد يشعر الاسد بالثقة الآن، مع طموحات مستمرة للسيطرة على كامل سوريا. لكنها تواجه قيودا تعني أنها قد تضطر إلى قبول انتصار أقل. يحاول نموذج نقل السلطة المقترح هنا تلبية ما يكفي من طموحات الاسد الأساسية من أجل تحويل طموحات الأسد إلى قبول إعادة اندماج أكثر ليونة للمناطق تحت سيطرة المعارضة أو سيطرة غير النظام تحت حكم مركزي. ويعترف المسار المبين في هذه الورقة بسيادة الحكومة المركزية على سوريا بأسرها، كما يوفر وسيلة للحد من النفوذ الأجنبي فوق المناطق المعنية. ويتوقف ذلك على توطيد الحكم الذاتي المحلي الدائم، ولا سيما في المجال الأمني، فضلا عن إحراز تقدم كبير بشأن المساعدات الإنسانية وفك الحصار. وقد يكون هذا الآن ثمناً ضروروياً لتأمين وقف إطلاق النار على نحو دائم وتقديم المزيد من الإغاثة للشعب السوري بعد أن أصبح برنامج تغيير النظام ميتا. عند تقييم إشكالية الطرح يجب على الأوروبيين أن يعترفوا بأن الخيار البديل – استمرار التقدم العسكري الروسي والإيراني من قبل قوات الأسد، التي لا أحد مستعد لوقفها بشكل فعال – سيتسبب بالمزيد من العنف والموت وموجات النزوح. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الحل لا يزال يسعى إلى التمكين من إجراء حوار ضروري بين السوريين نحو تسوية نهائية مقننة في نهاية المطاف، والتي بدونها لن يكون هناك أبدا استقرار حقيقي طويل الأمد.
وتفتح هذه الورقة السبل أمام الأوروبيين لإقامة مسار دبلوماسي فعال تحت القيادة الفرنسية. إن تركيز إيمانويل ماكرون المتجدد على سوريا ودعمه لجهود خفض التصعيد، وعدم قدرة الدول الأعضاء الأخرى على تولي زمام المبادرة في هذه القضية، تجعل فرنسا الزعيم الطبيعي لهذه المبادرة.
الحرب الأهلية السورية هي كارثة جيوسياسية وإنسانية. يجب أن تنتهي. لا يمكن لأوروبا أن تملي النتائج على سوريا ولكن لديها القدرة على إحداث فرق مهم. المسار الموضح هنا صعب وغير مؤكد. ولكن بدون مسار سياسي فإن وقف إطلاق النار الحالي سينهار بالتأكيد إلى تجدد العنف.
التوحد والتقسيم:
وتنقسم سوريا الآن إلى أراض يسيطر عليها الاسد والتي تشمل معظم المناطق المأهولة بالسكان الغربي، والأطراف البعيدة للبلاد، والتي هي إلى حد كبير تحت خليط من التأثيرات الأجنبية. إن الانتقال من دون النظام غير ممكن – الأسد لن يتفاوض بشأن إزالته في محادثات الأمم المتحدة. وليس هناك أيضا احتمال واقعي بإطاحته بالقوة أو بتحويل ميزان القوى بما فيه الكفاية لإجبار عملية انتقال عن طريق التفاوض. قرار دونالد ترامب في يونيو 2017 لوقف التسليح السري من قبل الولايات المتحدة للمعارضة أنهى هذا الحلم رسميا. في حين تقاتل المعارضة المسلحة ضد النظام في جيوب معزولة، فإنهم لا يملكون الأمل في النصر. في إدلب، آخر معقل للمعارضة فإن المركز المهيمن لهيئة تحرير الشام، الائتلاف الجهادي بقيادة جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة سابقا، يجعل هذا الانتصار غير مرغوب حتى.
ولكن الاسد كذلك لا يملك أي احتمال لاستعادة السيطرة المطلقة على البلاد بأسرها. القوات المسلحة المدعومة من تركيا تسيطر على أكثر من 2000 كيلومتر مربع في الشمال. المناطق الكردية التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال الشرقي تخضع لحماية أمريكية مباشرة، في حين أن الكانتون الثاني الكردي شمال حلب عفرين يتمتع بدعم روسي. في الجنوب الأردن وشركاؤها الدوليون يدعمون المعارضة في أجزاء من محافظات درعا والسويداء والقنيطرة. وحتى لو لم يعد تغيير الاسد هو الأولوية في هذه المناطق، فإن وضع الجهات الفاعلة الخارجية، والقيود الكبيرة التي تواجهها قدرة الاسد، وخاصة قوتها البشرية المحدودة، تحد من قدرتها على الاستعادة والاحتفاظ بأراضي جديدة.
ووضع الاسد في وسط البلد آمن، ولكن لا يزال يواجه تمرداً مستعصياً وتهديدات إرهابية . في كانون الأول / ديسمبر 2016 على سبيل المثال فقد الاسد مدينة تدمر لصالح تنظيم الدولة للمرة الثانية بينما ركزت قوات الاسد على أخذ شرق حلب. في آذار / مارس 2017، أظهر توغل الثوار الناجح في أجزاء من دمشق وحماة أنه لا يزال بإمكانهم تحدي الاسد في قلبه. الأسد استعاد في نهاية المطاف الأرض المفقودة، ولكن الحوادث تثبت استمرار ضعفه.
وفي الوقت نفسه تتصاعد المنافسة على مناطق تنظيم الدولة. مخاوف تركيا من إنشاء منطقة كردية عبر الحدود التركية السورية يعزز معارضتها للتقدم المناهض لتنظيم الدولة في الرقة. وتخشى أنقرة من أن يقوم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري PYD بتشجيع التمرد الكردي التركي. إن حزب الاتحاد الدیمقراطي الکردي الذي يقود تقدم قوات سوريا الدیمقراطیة ضد التنظيم مرتبط بحزب العمال الکردستاني PKK الذي یحارب القوات التركية في ترکیا. یمکن أن تؤدي ھذه الروابط إلی تدخل أکثر عمقا یھدف للقضاء على مکاسب حزب الاتحاد الدیمقراطي الکردي. کما تخشی الحکومات الأوروبیة من أن المحاولات الکردیة لفرض ھیاکل حکمیة علی المناطق التي تم الاستیلاء علیھا من تنظيم الدولة سوف تخلق صراعات مع العرب المحلیین. ھذه الخلافات قد تقوض التقدم المناهض لتنظیم الدولة والجهود التي تبذل بعد الاستقرار.
وفي محافظة دير الزور شرق سوريا، تسرع القوات المؤيدة للاسد في الاستيلاء على المناطق بالمسابقة مع التحالف الدولي المناهض لتنظيم الدولة. الأسد يحتاج إلى السيطرة على الشرق لا لأسباب اقتصادية مهمة فحسب ولكن أيضا لمنع تشكل منطقة معارضة ممتدة تربط قوات سوريا الديمقراطية في الشمال مع مقاتلي المعارضة المقيمين في جنوب سوريا. بالنسبة للاسد، فإن ذلك سيمثل شقا موهناً للبلد وتهديدا استراتيجيا طويل الأمد. كما أن إيران الداعم الرئيسي للأسد قد يرغب أيضا في الحفاظ على طريق بري مباشر عبر العراق إلى لبنان، وإن كان هذا يبدو هدفا قريبا فإن ضمان عدم قدرة قوة عدائية على الحفاظ على وجود طويل الأجل في هذا المنطقة تُعتبر كذلك من الأهداف. في حين أن قوات الاسد تحتل الآن اليد العليا نظرا للمكاسب الإقليمية الأخيرة، فإن تقدمها شرقا أثار سلسلة من الهجمات الأمريكية على الميليشيات المدعومة من إيران في يونيو بالقرب من قاعدة التنف المدعومة من الولايات المتحدة على الحدود السورية العراقية، وكذلك إسقاط الولايات المتحدة لطائرة مقاتلة سورية في ريف الرقة الجنوبي في يونيو / حزيران 2017. ولا يزال التصعيد الأوسع نطاقا بما في ذلك الاشتباكات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران وبين الولايات المتحدة والروس احتمالا قائما.
فرصة هشة:
يتطلب هذا المزيج المعقد من المصالح عملية لتهدئة التوترات بشكل عاجل لمنع امتداد الحرب إلى تركيا وإيران والولايات المتحدة وروسيا. بل يمثل أيضا فرصة لتحقيق الاستقرار في خريطة سوريا المتغيرة: مناطق السيطرة الناشئة ، وحدود سيطرة الاسد توفر نموذجا لعملية تخفيض التصعيد. والواقع أن السلطة في سوريا هي بالفعل على مسار الانتقال – وهو الوضع الذي لا يمكن للاسد أو المعارضة أن يأملا في عكسه نظرا لدور الجهات الفاعلة الخارجية في دعم عملائها. وينبغي للجهات الفاعلة الخارجية الآن أن تستخدم هذا النموذج لأغراض بناءة من خلال دعم عملية اللامركزية الفعالة؛ إن لم يكن ذلك فإنه ينطوي على مخاطر اللعب بطريقة فوضوية تغذي الصراع المستمر.
قد يوفر هذا النهج أيضا إمكانية تهدئة التوترات في المناطق المحررة من تنظيم الدولة. وقد ترى تركيا في نهاية المطاف نقل السلطة بشكل متحكم به -ومضبوط- كأفضل وسيلة للحد من الطموحات الكردية. في الشرق، يمكن أن يشكل التفاهم المناطقي الأولي الذي يتحرك نحو نهج نقل السلطة أساسا يمكن أن يشكل اتفاقية ترسم حدود السيطرة وتمنع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو روسيا.
وتعتبر المناطق بالفعل عنصرا رئيسيا في النهج الروسي إزاء النزاع، مما ساق مبادرة خفض التصعيد التي أقيمت في أستانا مع تركيا وإيران. ويشكل النهج المناطقي أيضا أساس مفاوضات متداخلة – ولكن منفصلة – بين روسيا والولايات المتحدة والأردن على جنوب غرب سوريا. ظهرت مبادرة أستانا التي أوجدت أربع مناطق لخفض التصعيد في وسط وشمال وجنوب البلاد، على خلفية إشارات روسية أوسع نطاقا بشأن إمكانية اتباع نهج مناطقي لا مركزي. وما فتئت موسكو تنسق منذ فترة طويلة مع تركيا والأردن بشأن دعمها للمناطق الشمالية والجنوبية التي تسيطر عليها المعارضة، مما يوفر إشارة للموافقة الروسية على مناطق نفوذ كل منها. كما حاولت التوسط في توافق (الاسد – الأكراد) من خلال التقدم بمشروع الدستور السوري الذي يقوم على اللامركزية.
وقد اثمر هذا الجهد بعد مفاوضات مع الولايات المتحدة حول جنوب سوريا. فتحدث دونالد ترامب عن الحاجة إلى “مناطق آمنة”، والتي تتطابق مع مناطق التصعيد في روسيا. وقد توسعت المحادثات لتشمل أيضا تقسيم مناطق النفوذ، عن طريق إنشاء خط فك اشتباك في شرق سوريا.
لكن يواجه الدفع الحالي نحو خفض التصعيد وفقا لمناطق السيطرة المتفق عليها عقبات خطيرة. من المؤكد أن مستويات العنف انخفضت، ولكن لا يزال القتال مستمرا. والأهم من ذلك أن الاسد استخدم بدعم إيراني اتفاقات وقف إطلاق النار للنهوض بأهدافه الاستراتيجية الأوسع نطاقا، وقصف المناطق المختلفة بشكل دوري، وإعادة نشر القوات شرقا، ومواصلة منع المساعدات الإنسانية. وباختصار ليس هناك ما يشير إلى أن الأطراف المتنازعة وبالأخص الاسد بنيتهم الحفاظ على الاتفاق بمجرد انتهاء قيمته التكتيكية. في النهاية فإن الاتفاقات المستقلة المحلية تعمل على تحفيز العمليات الجارية في أماكن أخرى، والأسوأ من ذلك انهيارها في نهاية المطاف.
إن استمرار المفاوضات – مدفوعا جزئيا برغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق يسمح لها بتدعيم مكاسب الاسد المدعومة من روسيا – يحتمل إمكانية إحراز تقدم. ولكن إذا ما أريد تحقيق ذلك فإن المفاوضات تحتاج بشكل جاد إلى ديناميكية سياسية جديدة تضاف إلى المزيج.
والأهم من ذلك أن هناك حاجة إلى وجود إطار وطني فوري قادر على ربط وقف إطلاق النار بعملية أكثر استدامة. وبدون تصور سياسي أوسع فمن المؤكد أن العملية الحالية ستتفكك، كما كان الحال بالنسبة للمحاولات السابقة. وعادة ما يتطلب تحويل وقف إطلاق النار المحلي إلى نهاية للحرب لآليات تنفيذ مدعومة من الخارج. لكن هذه الجهود لا تزال مستبعدة إلى حد كبير في سوريا، وفي غيابها لا يمكن إلا أن يكون هناك ترتيب سياسي وطني يحظى بدعم عدد كاف من الأطراف المتحاربة على الأرض. وفي حين أن وقف إطلاق النار سوف يرتكز على السياسة المحلية إلا أنها تحتاج إلى أن تُدمَج في إطار مركزي وطني يؤدي إلى نهاية لعبة سياسية إذا لم يكن الاسد يعتبرها اتفاقات مؤقتة يمكن أن يستغلها لتوسيع سيطرته.
وفي الوقت الحالي تفتقد جهود خفض التصعيد الأمريكية والروسية هذا العنصر الحاسم. في حين حاولت موسكو في مرحلة ما إدخال محادثة حول السياسة الوطنية في عملية أستانا وقد رفضت المعارضة والمؤيدون الدوليون لها. ونتيجة لذلك تركز عملية استانا والمفاوضات الروسية – الأمريكية الآن على محاولة إبرام اتفاقات محلية متقدمة؛ ولكنها مستبعدة من المسار السياسي الأوسع. وبحسب بريت ماكغورك المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة فإن خفض التصعيد يهدف إلى تهدئة الوضع من أجل وضع “شروط الحل السياسي النهائي”. كما يوضح ماغورك أن الرؤية الأمريكية عن وقف إطلاق النار هي كاتفاق مستقل وليس عنصرا من عناصر حزمة وطنية أوسع نطاقا.
إن فشل ست سنوات من المفاوضات يحذر من محاولات وضع السياسة في المقدمة، ولكن التجربة نفسها بمحاولات وقف إطلاق النار الفاشلة – والهشاشة الواضحة للجهود الحالية – تدل على أن السياسة لا يمكن أن تُوضع جانبا. وباختصار، لن يكون هناك وقف دائم لإطلاق النار بدون مسار سياسي مصاحب. ويتطلب تخطي الدائرة إعادة تقييم ما هو ممكن سياسيا، وتغيير حجم الطموحات.
خفض التصعيد من خلال رؤية وطنية لنقل السلطة:
هناك نهج سياسي وطني قابل للصمود يتطلب الآن من المعارضة المحلية والجهات الفاعلة الخارجية العمل حول استمرار الأسد في منصبه. ولكن استنادا إلى الحقائق على أرض الواقع يمكن لهذا النهج أن يسعى إلى تخفيف سلطته القسرية عن طريق تعزيز درجة من الحكم الذاتي المحلي في المناطق التي لا يسيطر عليها الاسد سيطرة الكاملة. وهذا أقل بكثير من الكثير الذي لا يزال يطمح إليه، ولكنه قد يمثل الوسيلة الوحيدة لضمان شكل من أشكال الهبوط الأكثر ليونة لبقية معاقل المعارضة، ولا يعني شيئا عن تلبية الاحتياجات المستمرة اليائسة للسكان السوريين الأوسع. وقد يكون هذا المسار لنقل السلطة المؤطر بشكل صحيح يمكن أن يبرهن بما فيه الكفاية على تأمين الدعم من مختلف الأطراف المتحاربة خلف التخلي المستمر عن التصعيد. وهو يعتمد على صفقة أساسية: يضمن النظام الذي يقوده الأسد التأييد المحلي والدولي لسيادة الحكومة المركزية على جميع الأراضي السورية مقابل اتفاقات حول نقل السلطة المحلية، بما في ذلك السيطرة على الترتيبات الأمنية، في مناطق المعارضة المتبقية من السيطرة.
وبالنسبة للاسد، فإن هذا المسار سيتيح تحولا واضحا من قبل المعارضة المحلية والمجتمع الدولي بعيدا عن تغيير النظام. وسوف يعترف بسيادة الحكومة المركزية التي يقودها الأسد على كامل البلاد – وهو ما سعت إليه منذ فترة طويلة. وستسعى تدابير مثل الخطوة الهامة رمزيا وماديا بالسماح للحكومة السورية باستعادة السيطرة على المعابر الحدودية إلى ضمان التزام النظام بهذا الإطار. ومن شأن هذه العملية أن تؤدي أيضا إلى التلاعب بالقيود الرئيسية المفروضة على قدرات الاسد، ليس على الصعيد العسكري فحسب، بل أيضا على الصعيد الاقتصادي: أي التحدي الهائل المتمثل في تحقيق الاستقرار والإعمار، الذي تقدر كلفته بمئات المليارات من الدولارات. وعلى الرغم من رفضه الأخير لأي دور غربي في ظل بيئة ما بعد الحرب، فلن يتمكن من تأمين الموارد الضرورية والبوابات الاقتصادية المفتوحة دون درجة من الموافقة الغربية (إن لم يكن الإشراك). إن تأثير العقوبات الغربية على القطاع المالي هو مثال على تدبير منهك سيعيق الاقتصاد على المدى الطويل دون تعويض.
ولضمان امتثال الأسد فإن هذه المبادرة من شأنها أن تعترف فعليا ببعض المطالب السياسية الأساسية للاسد محليا ودوليا. ومع ذلك فإن إدخال منطق نقل سلطة وطني يميل لصالح الاسد سيهدف أيضا إلى تحديد معالم علاقة سياسية دائمة بين المركز والأطراف. ومن شأن ذلك أن يتيح فرصة لوقف إطلاق النار ليصبح دائما. في جوهره سيحقق الأسد طموحاته الأساسية من خلال عملية إعادة إدماج للدولة أكثر ليونة، مما يغني عن الحاجة إلى عمليات قسرية جارية مكلفة لإعادة الدولة بأكملها تحت سيطرته. ومن شأن هذا المسار أيضا أن يخدم مصالح داعمي الاسد الرئيسيين، روسيا وإيران، الذيّن يتحملا في نهاية المطاف عبء التقدم المستمر للاسد، بالنظر إلى القيود الشديدة على القوى العاملة والموارد للاسد. وكجزء من هذا الاتفاق يمكن للدول الأجنبية أن توافق على الانسحاب التدريجي من مناطق نفوذ كل منها – وهو طموح أساسي للاسد – إذا تم استيفاء المعايير السياسية وإضفاء الطابع المؤسسي عليها على نحو مرض على المدى الطويل.
وكجزء من هذا المسار المقترح سيحصل الثوار على خارطة طريق رسمية واضحة تسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة ومنحهم درجة من الحكم الذاتي المحلي. بعد أكثر من ست سنوات من الصراع، هذا هو الآن أفضل ما يمكن أن نأمل في الواقع لتحقيقه. وهذا الاستقلال الذاتي يعني أولا وقبل كل شيء السيطرة الأمنية المحلية، كما يجري التفاوض عليه الآن في الاتفاقات المستقلة الناشئة. وسيشمل ذلك القيام بدور رائد في جهود مكافحة الإرهاب الجارية ضد الجماعات المتطرفة المحلية. ولكن على نطاق أوسع، يمكن لتفويض السلطة تمكين المجلس المحلي من إدارة الخدمات المحلية مثل الشرطة، على الرغم من أن بعض مؤسسات الدولة المركزية ووظائف الحكم ستعود أيضا إلى المناطق المعنية.
هذا النهج لديه آفاق أفضل للنجاح حيث يكون الثوار أكثر إرهاقا وأقل تطرفا وأكثر اعتمادا على الداعمين الخارجيين الراغبين في دفعهم نحو خفض التصعيد. وهي نتيجة تدعمها تركيا والأردن بشكل متزايد نظرا لاهتمامها الأساسي بتحقيق الاستقرار في المناطق الحدودية.
من المرجح أن يرتبط مستوى دعم أنقرة لهذا النهج ارتباطا مباشرا بمساعدته على احتواء الطموحات الإقليمية الكردية السورية. يستنزف الداعمين الخارجيين الآخرون في الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، مشكلاتٌ أقرب إليهم، سواء كانت صراعات داخلية على السلطة أو حربا في اليمن أو أزمة في قطر. كما تخلوا إلى حد كبير عن دعم تغيير النظام وهم يضغطون الآن على المعارضة للاعتراف بحقيقة أن الأسد سيبقى في السلطة.
ومع ذلك، فإن الاتفاق الذي لا يضمن إزالة الأسد في نهاية المطاف سوف يثير بوضوح رد فعل عنيف على الأرض. إن القوى المعادية للأسد والقوى المتطرفة ولا سيما تلك الموجودة في محافظة إدلب، لن تقبلها. وفي مكان آخر يمكن أن تغذي بعض الانتقالات إلى مجموعات أكثر تطرفا، وإن كانت أقل هذا احتمال قليل نظرا لدرجة الإرهاق، والانقسامات بين الثوار، وجاذبية الصفقة من شأنها أن تحقق مكاسب محلية. في نهاية المطاف يمكن أن يسهم هذا المسار في الهدف الرئيسي لهزيمة تنظيم الدولة.
وأي اتفاقات تساعد على استعادة مظاهر الاستقرار والحكم المحلي ستعالج ظروف الفراغ والصراع التي استغلها تنظيم الدولة باقتدار. ومن المرجح أن يستمر التطرف إذا سمح الأسد للميليشيات المرتبطة بالاسد والمقاتلين الأجانب المدعومين من إيران وحزب الله بالظهور كجهات فاعلة مهيمنة على الأرض. غير أن النهج المتبع سيعتمد بالضرورة على قبول الاسد للترتيبات الأمنية الخاضعة لسيطرة محلية. ومن شأن ذلك أن يمنع الميليشيات والقوات الأجنبية من التقدم إلى هذه المناطق، مثلما يحاول الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في جنوب غرب سوريا من خلال تقييد التقدم الإضافي الذي تقدمه الميليشيات المدعومة من إيران إلى منطقة التصعيد.
ومن الناحية الجغرافية فإن نهج نقل السلطة المقترح سيتوافق مبدئيا مع خطوط الصراع الحالية ويتركز على الحزام الغربي الذي يسيطر عليه الاسد في البلد، وكذلك في الشرق إلى دير الزور والحدود العراقية. وعلى الرغم من بعض الطموحات الأميركية الظاهرة لمنع الاسد والداعمين الإيرانيين من تأمين موطئ قدم في الشرق، فإن الواقع هو أن قوات الاسد هي الأفضل من جميع العناصر الفاعلة على الأرض للتحرك نحو دير الزور. ومن شأن أي جهد لمنع ذلك أن يفسد الفرصة أمام دفعة أقوى لخفض التصعيد: من شأن المنطقة المدعومة من الغرب في شرق سوريا التي تقع بين وكلاء إيران العدائيين في سوريا والعراق من شأنها أن تزيد من الصراع الجيوسياسي على سوريا وتكاد تفشلها. وعلى الجهات الفاعلة الغربية أن تركز بدلا من ذلك على تأمين اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية على المناطق الواقعة شمال نهر الفرات حتى دير الزور وبين السيطرة المباشرة لقوات الاسد على المناطق الواقعة جنوب النهر.
سيطبق الاسد سيطرة كاملة في جميع هذه المناطق، ولكن سيتعين عليه أن يقبل سلسلة من المناطق المصاحبة بسلطة مفوضة. وسيشمل ذلك: منطقة الجنوب الغربية تحت الرعاية الأولية للولايات المتحدة الأمريكية الأردنية ؛ ومنطقة تدعمها تركيا المعروفة بمنطقة درع الفرات؛ ومنطقة كردية وعربية تدعمها الولايات المتحدة في الشمال الشرقي. ومن المهم للمنطقة الأخيرة تحديد الأبعاد الداخلية الضرورية لأي اتفاقيات. وفي الشمال الشرقي، ينبغي الضغط على الأكراد من قبل داعمين خارجيين لقبول سيطرة محلية ذات مغزى في المناطق ذات الغالبية العربية بما في ذلك الرقة.
ومن شأن الاتفاقات أن تمنع أيضا توحيد الكانتونات الكردية. وبالمثل, في حين يتعين على جيوب المعارضة الأكبر حجما داخل مناطق الاسد الأساسية أن تقبل بسلطة الاسد ينبغي أن يقترن ذلك أيضا بدرجة من الحكم الذاتي المحلي وإنهاء إجلاء الثوار المقاتلين إلى إدلب، كما كان الحال سابقا. إن اتفاق تموز / يوليو 2017 الذي تم التوصل إليه حول الغوطة الشرقية يدل على أن ذلك قد يكون ممكنا. إن رغبة الاسد في ضمان بقاء الفصائل غير التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب ضعيفة ومنع تأمين الدعم الدولي المتجدد لهم يمكن أن يعمل على تسهيل الاتفاقات التي بموجبها يبقى المقاتلون من مجموعات مثل جيش الإسلام في الغوطة الشرقية أن في مكانها كجزء من الاتفاقات المحلية بدلا من تحويلها إلى إدلب.
مصير محافظة إدلب هو علامة الاستفهام الكبيرة في هذا النهج. إن الوجود السائد لهيئة تحرير الشام هناك يستبعد أي إمكانية لإدراج إدلب في اتفاق لنقل السلطة مدعوم دولياً. ولن يرفض مقاتلوا هيئة تحرير الشام الالتزام بأي اتفاق فحسب، ولكن الجهات الفاعلة الدولية والنظام لن يقبل بشمولهم. في نهاية المطاف فإن تخليص إدلب من نفوذ القاعدة سيتطلب حملة عسكرية في المحافظة يحتمل أن يقودها الاسد أو تركيا.
ولكن حتى في إدلب لا يزال هذا النهج لنقل السلطة يقدم أفضل أمل لتحقيق الاستقرار في أي مرحلة لاحقة من مرحلة ما بعد هيئة تحرير الشام. ومن غير المرجح وجود عسكري تركي طويل الأمد، ويفتقر الاسد إلى القدرة على التغلب على المحافظة التي أصبحت الآن موطنا لمعظم المعارضة الرافضة للأسد. وتعتمد معظم المكاسب الإقليمية الرئيسية للاسد على عمليات الإخلاء المتفاوض عليها بدلا من الهزيمة العسكرية لقوات المعارضة – وهي نتيجة غير ممكنة في إدلب نظرا لأن تركيا قد أغلقت الحدود. في حين أن الأسد يمكن أن يضع المحافظة تحت هجوم عسكري مطول، وسوف يناضل من أجل فرض الهيمنة الحقيقية، وسيكون من شبه المؤكد أنه سيمنح درجة من نقل السلطة المحلية للمحافظة في نهاية المطاف.
ويهدف هذا النهج الوطني إلى توفير الأطر السياسية الرئيسية للحفاظ على سلسلة من اتفاقيات وقف إطلاق النار على نحو دائم. وفي حين أن تخفيض التصعيد لن يحدث بسرعة في جميع أنحاء سوريا، فإن المنطق الوطني سيكون أساسيا لضمان أن يصبح وقف إطلاق النار دائم. وسيسعى هذا في نهاية المطاف إلى فتح المجال للمفاوضات بين السوريين بشأن تسوية نهائية وترتيبات دستورية. وسيتعين على المفاوضين السوريين أن يحددوا مدى نقل السلطة، ودور الرئيس، وحقوق الملكية، والأهم من ذلك، قطاع الأمن. ومن الواضح أن هناك عقبات ضخمة أمام ظهور محادثات ذات معنى بين السوريين عندما يكون نظام الأسد مهيمنا. ومع ذلك فإنهم أكثر قابلية لتحقيق مكاسب – حتى لو كانت متواضعة – من المحاولات الجارية من قبل الاسد لاستعادة السيطرة الكاملة من خلال القوة الغاشمة.
والأهم من ذلك أن هذا النهج سيتيح في نفس الوقت انفتاحا لتحسين الحالة اليائسة للمدنيين، التي يجب أن تكون الآن الدليل الموجه للجهود الدولية الرامية إلى تخفيض التصعيد. وسيشمل ذلك تقليل مستويات العنف، وزيادة الإغاثة الإنسانية، والسماح بعودة بعض وظائف الحكم إلى المناطق المدمرة. كما ستستند إلى فكرة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا كما يطالب الشعب السوري.
وتشاطر جميع الأطراف الدولية مصلحة في تحقيق هذا الهدف، حيث أن أي تحرك نحو التقسيم يمكن أن يثير تفككا أوسع إقليميا. ومن شأن نقل السلطة بشكل منظم على أساس النهج السياسي الوطني الذي يوحد المناطق المختلفة تحت مظلة واحدة أن يساعد على تعزيز الوحدة الوطنية لسوريا. وتعتمد وحدة سوريا في نهاية المطاف على عودة جزئية لدولة مؤسسات – التي لا يجب أن تشمل الجهاز الأمني للاسد – إلى كامل البلاد. وعلى النقيض من ذلك، فإن نهجا خاليا من أي مبدأ تنظيمي وطني والالتزام السياسي المشترك -كما يبدو أنه يميز الجهود الروسية – الأمريكية الحالية- يخاطر بتصعيد خطوط الانقسام، وترسيخ النفوذ الأجنبي بشكل دائم، وتغذية قوى التقسيم.
ماذا يمكن أن تفعل أوروبا؟
إن الإصرار على ربط خفض التصعيد بجدول أعمال الانتقال – الذي لا يزال الخط الأوربي الرسمي – له نتائج عكسية. في الواقع من المرجح أن يقوّض أي مبادرة لتخفيض التصعيد، مما يغذي أشد مخاوف النظام وميوله للنظر لأي تنازلات من مبدأ خسارة أو ربح كل شيء. كما أنه سيشجع طموحات المعارضة الأشد اللاواقعية. ولم يكن الأوروبيون أطرافا رئيسية في المفاوضات حتى الآن. ولذلك كان لديهم سعة في الحث على وضع حد للعنف، في حين يعظون أيضا بأن أي حل لن يعمل دون إحراز تقدم نحو التحول. في العالم الحقيقي هذه الأهداف غيرمتضاربة. يجب على الأوروبيين بدلا من ذلك أن يعملوا في سياق ما هو ممكن – المضي قدما في المسار السياسي (يتضمن خفض التصعيد ونقل السلطة) الذي من خلاله سوف يجلب بعض الراحة للشعب السوري.
إن عدم وجود أي مسار سياسي ناجع للمبادرات الحالية الرامية إلى تخفيض التصعيد يهيئ المجال للأوروبيين للقيام بدور مفيد. هذا المسار هو ضرورة للاستفادة مما قد يكون فرصة عابرة يقدمها التقارب بين الولايات المتحدة وروسيا. التدهور الأوسع في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا يمكن أن ينتج أصداء خطيرة في سوريا في أي لحظة. ومن الأهمية الاستراتيجية والأخلاقية لأوروبا أن تؤدي دورا سريعا ونشطا في تحسين إطار يمكن أن يساعد على خفض التصعيد.
يجب على الدول الأوروبية التي هي أعضاء في محادثات فيينا للسلام ISSG – الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة – أن تتحد في دعم مفهوم خفض التصعيد ونقل السلطة. وينبغي لهذا النهج:
• إدخال جدول أعمال لنقل السلطة وطني فوري إلى المفاوضات عبر محادثات السلام في فيينا. وينبغي أن تؤكد على سيادة الحكومة المركزية على جميع الأراضي السورية وأن تتم الموافقة على نقل السلطة في بعض المناطق المحلية. وسيهدف هذا إلى إدخال عملية سياسية وطنية متزامنة يمكن أن تثمر اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية التي يجري التفاوض بشأنها الآن. ويتعين على الأوروبيين أن يؤكدوا على أن الجهود الحالية تحتاج إلى مرتكز سياسي وطني لكي تنجح وأن عملية جنيف الحالية لا يمكن أن تتحقق. واعترافا بأن التسوية النهائية لا تزال تتطلب مفاوضات واسعة النطاق بين السوريين، بما في ذلك تدوين أي اتفاق، ينبغي أن يهدف هذا الإطار إلى خفض التصعيد والسماح بإجراء محادثات طويلة الأمد بين السوريين. ويجب على أي جهة فاعلة غربية أن تدعمها، أي اتفاق يجب أن يمنح وصولا إنسانيا فوريا ودون إعاقة، وأن يوفر آلية للوصول إلى المعتقلين لدى سجون الاسد (على سبيل المثال من قبل منظمة الصليب الأحمر الدولية).
• العمل على إقناع المعارضة بمزايا هذا النهج. في ضوء انسحاب الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية، أصبح لدى الأوروبيين نفوذ متزايد مع المعارضة. ولن يكون ذلك سهلا ولكن يجب على الأوروبيين أن يكونوا موحدين وواضحين أن تخفيض التصعيد والاستقلال المحلي يمثلان الآن الخيار الأفضل، خاصة إذا ما تم دعمهما بدعم مكثف من أجل تحقيق الاستقرار الأوروبي. التنسيق الأوروبي مع أنقرة، والرياض، والدوحة سيكون له أهمية في جعل القضية مع كل من المعارضة السياسية والمسلحة. تركيا والمملكة العربية السعودية محوريان بالفعل في هذا الاتجاه، مع الاعتراف بحتمية مشاركة الأسد في أي عملية مستمرة.
• ثني الأمريكيين عن محاربة إيران في شرق سوريا. يجب على الأوروبيين أن يخمدوا رغبة ترامب لتجنيب جر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية جديدة بتشجيع الإدارة على كبح أي طموحات لرؤية سوريا مسرحا لمحاربة إيران. يجب على الأوروبيين أيضا ربط دعمهم الخاص لتحقيق الاستقرار في مناطق ما بعد تنظيم الدولة في شرق سوريا بالجهود التي تسعى إلى تجنب التصعيد على نطاق أوسع. وتضغط الولايات المتحدة من أجل هذا الدعم، وتتوقع من الحكومات الأوروبية أن تجمع حصة كبيرة من فاتورة حساب تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد الصراع.
• العمل على ضمان موافقة إيران على عملية التهدئة. وبكل بساطة، فإن إيران لديها القدرة على إفساد أي اتفاق بشأن سوريا لا تقبله. يجب على الأوروبيين الضغط على إيران لرؤية نهج نقل السلطة كوسيلة للنهوض بالحل المربح للجانبين. وخلال جولته الأوروبية الأخيرة، أعاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف التركيز مجددا على خطته المكونة من أربع نقاط، مع التركيز على وقف إطلاق النار والإصلاح الدستوري. وينبغي أن يبحث الأوروبيون بنشاط كيف يمكن أن يوفر ذلك جسرا نحو خفض التصعيد من خلال نقل السلطة. وبناء على الدعم الأوروبي والإيراني المشترك للاتفاق النووي، يجب أن يكون أعضاء الاتحاد الأوروبي في محادثات فيينا واضحين مع الحكومة الإيرانية بأن عدم وجود تسوية في سوريا سيعيق التطبيع الكامل للعلاقات ويغذي التيارات المضادة لإيران في واشنطن.
• مساعدة أنقرة على رؤية أن نهج نقل السلطة يمكنه أن يقيد الطموحات الكردية. ويبدو أن أنقرة مسبقا تقبل بنهج خفض التصعيد، ولكن مخاوفها بشأن الأكراد من المحتمل أن تزعزع الاستقرار. يجب على الأوروبيين العمل لضمان أن حزب الاتحاد الديمقراطي يقف جانبا لصالح السيطرة العربية على الرقة بعد تنظيم الدولة، ولا يسعى الاكراد إلى ربط كانتونتي عفرين وكوباني. يجب على الأوروبيين أن يشترطوا أي علاقة سياسية مستمرة ودعم ما بعد تنظيم الدولة لتحقيق الاستقرار، وهو أمر يسعى إليه الأكراد في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم.
وينبغي أن يكون الأوروبيون أيضا واضحين بأنهم لا ينظرون إلى المناطق الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي كمقدمة للاستقلال، بغض النظر عن نتائج الاستفتاءات في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا أو العراق. إن إقناع تركيا بالمقترح الذي يوافق على مناطق حكم ذاتي للأكراد يتطلب عملاً كبيرا، وسوف يرتبط في نهاية المطاف بصراعه الداخلي المستمر مع حزب العمال الكردستاني. فضلا عن العمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة للضغط على الأكراد السوريين لمعالجة المخاوف التركية – خاصة في مرحلة ما بعد الرقة عندما تتراجع محوريتهم في الحملة العسكرية المناهضة لتنظيم الدولة – يجب أن يظل الأوروبيون يركزون على الجهود التي يمكن أن تساعد في دفع عملية السلام. وينبغي أن يشمل ذلك الحفاظ على الاهتمام بعملية السلام بمشاركة رفيعة المستوى مع رجب طيب أردوغان والضغط على حزب الاتحاد الديمقراطي لاستخدام صلاته مع حزب العمال الكردستاني من أجل دفع وقف إطلاق النار في تركيا.
• اقتراح شراكة لتحقيق الاستقرار مع تركيا في شمال سوريا. وفي حين لا تزال أنقرة مقاومة للدعم الخارجي في منطقة نفوذها، فإنها تواجه أيضا صعوبات متزايدة في إدارة الأعباء المرتبطة بها. وفي نهاية المطاف، من المرجح أن تلتفت تركيا إلى آليات الدعم المالي والمادي الدولية، وينبغي للأوروبيين أن يقفوا على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة في تلك لحظة. ونظرا للتحدي الذي يشكله حضور هيئة تحرير الشام في إدلب، ينبغي للدول الأوروبية أن تقدم دعما معززا إلى أنقرة يتضمن التعاون طويل الأجل في مكافحة الإرهاب، والذي يمكن أن يشمل إقامة شراكة عسكرية ولوجستية، وتقديم المساعدة لتحقيق الاستقرار في جميع أنحاء المحافظة. كما يجب على الأوروبيين أن يقاوموا تقليص تدفقات المعونة الإنسانية إلى إدلب بسبب اتساع رقعة هيمنة هيئة تحرير الشام. وهذا من شأنه أن يعرض للخطر أكثر من مليون شخص يُقدر أنهم لاجئون إلى المحافظة، ولا يؤدي هذا إلا إلى ترسيخ مسار مزعزع للاستقرار. يجب على الأوروبيين العمل للحفاظ على تدفق المساعدات الإنسانية إلى إدلب قدر الإمكان.
• زيادة الدعم لتحقيق الاستقرار بهدف استعادة الخدمات الأساسية وبناء القدرات المؤسسية في جميع أنحاء سورية. وينبغي أن يشمل ذلك توسيع نطاق المساعدة الإنسانية. وسيكون هذا أمرا حاسما لضمان توسيع نطاق المشاركة في هذه المبادرة. إذا كان بالإمكان ترسيخ تفاهم سياسي فيجب على الحكومات الأوروبية أن تكثف الدعم، وتقدم عبر دمشق وعبر الحدود في محاولة لدعم الهياكل المحلية. وستكون هذه الجهود ذات أهمية أيضا في المناطق التي تم تطهيرها من تنظيم الدولة لوقف ظهور أشكال جديدة من التطرف. وبالنظر إلى أن أي اتفاق ناشئ يقوم على الاعتراف بسيادة الحكومة المركزية سيحتاج الأوروبيون إلى التنسيق مع دمشق. بيد أن استعادة سيطرة الدولة على المعابر الحدودية والاتفاق على وصول المساعدات الإنسانية دون إعاقة يمكن أن يمثل وسيلة لإبرام اتفاق يتم بموجبه تقديم المعونة المتزايدة عبر الحدود من قبل الأمم المتحدة.
• إرساء درجة من المساعدة لتحقيق الاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها النظام. يجب على الدول الأوروبية أن تقدم عرضا على الطاولة، يربط بين الدعم الاقتصادي والخطة السياسية لنقل السلطة. وهذا لا يعني التطبيع، ولا ينبغي أن يشمل تمويل إعادة الإعمار الذي لا ينبغي أن يأتي إلا على خلفية التسوية النهائية بين السوريين. ولكن إذا تم استيفاء المعايير السياسية فمن الممكن أن تشمل بعض الدعم لانعاش بعض القطاعات التي تؤثر بشكل أوسع على السكان وتخفيف بعض عقوبات عليها، مثل تلك التي تقيد الحوالات المالية. في حين ينبغي أن يكون تحايلا على الأسد وأزلامه، وذلك جزئيا عن طريق الحفاظ على الدعم المرتبط مباشرة بالمشاريع المحلية، فإن الاسد سيبقى يحاول إدارة هذه العملية بإحكام. ولكن قد يكون هذا الثمن يستحق دفعه إذا كان يمكن أن يساعد في ترسيخ امتثال الاسد وراء نهج دائم في خفض التصعيد الذي يفيد السكان على نطاق أوسع ويحمي المصالح الأوروبية. وينبغي أيضا أن يستند دعم الانعاش إلى نهج وطني يربط بين مختلف المناطق معا. ويمكن أن يركز الأوروبيون تركيزا خاصا على تجديد البنى التحتية الوطنية والروابط التجارية. ويمثل الترابط بين الاقتصاد الأوسع نطاقا عنصرا حاسما يمكن الاستفادة منه لمنع المزيد من التقسيم.
السعي لتحقيق التماسك الأوروبي:
وبالنسبة لأي فرصة من التأثيرات الأوروبية المحدودة، لا يزال هناك عنصر حاسم طال انتظاره: التماسك الأوروبي وراء موقف مشترك. وبدون موقف موحد لا توجد فرصة أمام الأوروبيين لإحداث تغيير في سوريا.
ومن المرجح أن تكون باريس هي العنوان الرئيسي لأي احتمال لتحقيق ذلك. وقد تراجعت الجهات الأوروبية الرئيسية الأخرى المشاركة في هذا الملف (المملكة المتحدة وألمانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي) إلى الوراء على مدى الأشهر الأخيرة، وذلك بسبب مزيج من الانتخابات، واستيعاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعدم نجاح مبادرة الاتحاد الأوروبي الإقليمية الخاصة. وعلى النقيض من ذلك صعّدت باريس تركيزها بشكل واضح على سوريا تحت رئاسة إيمانويل ماكرون، مما يظهر دعما جديدا لجدول أعمال عملي لخفض التصعيد. وتتطلع دول أعضاء أخرى إلى باريس لصياغة مسار القيادة الأوربية. ماكرون لم يجعل سوريا قضية الاتحاد الأوروبي. وبدلا من ذلك فقد عزز المشاركة الثنائية مع روسيا والولايات المتحدة واقترح تشكيل مجموعة اتصال جديدة من “مجموعة الخمسة زائد واحد”. ويبدو أنه يرى سوريا كمكان لفرنسا لإبراز مكانتها كدولة عظمى بدلا من القوة الأوروبية.
وهذا رأي خاطئ ويجب أن يُلغى إذا كانت فرنسا وأوروبا ستضطلعان بدور فعال. فرنسا بنفسها لا تجلب نفوذا قويا على الطاولة. إن مساهمتها العسكرية في التحالف المناهض لتنظيم الدولة غير كافي للتأثير على الحسابات الاستراتيجية الأمريكية والروسية. بدلا من ذلك يجب على الأطراف الأوروبية وخاصة المملكة المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي تشجيع ماكرون على التركيز على وضع موقف أوروبي متماسك وقابل للتنفيذ. وبدلا من النظر في إنشاء مجموعة اتصال دولية جديدة يجب على فرنسا العمل مع الشركاء لتوحيد مجموعة أساسية من الأطراف الأوروبية حول استراتيجية عملية طال انتظارها، بحيث يمكنهم أن يستخدموا قوتهم المشتركة لدفع البعد السياسي لخفض التصعيد.
الظروف الحالية توفر فرصاً ضئيلة. الخيارات ليست جميلة ولكن الفشل في العمل لن يحكم على سوريا والمنطقة وأوروبا إلا بدوامة نزولية مستمرة. أصبح لدى الأوروبيين الآن فرصة للتقدم إلى الأمام ومحاولة إحداث تغيير في مستقبل سوريا؛ يجب أن يأخذوها.

الرابط الأصلي للمقالة:
http://www.ecfr.eu/publications/summary/to_end_a_war_europes_role_in_bringing_peace_to_syria7223

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*