الاستراتيجية العسكرية|سياسة وأسلوب الحرب

كتاب الاستراتيجية العسكرية|سياسة وأسلوب الحرب
للكتاب الانكليزي: جون ستون.

يقدم مركز نورس للدراسات عرض مختصر وحصري للكتاب بقلم الباحث المصري أحمد مولانا
—————————————————————————————————–

إثر غوص أميركا في المستنقعين الأفغاني والعراقي وتكبدها لخسائر فادحة بشريا واقتصاديا، وفشلها في الخروج من الحربين بأي نتيجة ذات قيمة سياسية، اهتم الباحثون الغربيون بدراسة أسباب فشل الاستراتيجية الأميركية في البلدين للخروج بدروس مستفادة تساعد على النجاح فيما يُسمى (الحرب ضد الإرهاب). وفي ذلك السياق صدر هذا الكتاب الذي يناقش تطور (الاستراتيجيات العسكرية الغربية) خلال العصر الحديث من أجل استكشاف ديناميات تشكلها في ظل ظروف سياسية وفنية متنوعة.
يتكون الكتاب من تمهيد ومقدمة وسبعة فصول وخاتمة. اهتم المؤلف في التمهيد والمقدمة بتقديم تعريفات مختصرة لمصطلحات الحرب والاستراتيجية والأسلوب العسكري :
فالحرب هى سياسة بطريقة أخرى وفقا للمنظر البروسي كلاوزفيتز ، أما الاستراتيجية فهى العملية التي تُترجم من خلالها القوة المسلحة إلى نتائج سياسية مستهدفة.
ومن ثم فإن الاستراتيجية عمل سياسي محض يستلزم النجاح فيه ممارسة حسن تقدير الأمور لمعرفة أي القرارات أكثر أهمية. ويحتاج الاستراتيجي في صوغ نظريته إلى أن يدرك دوافع عدوه لخوض الحرب ومدى قوة تلك الدوافع. فأشد القوى فتكا وتفوقا في الوسائل الفنية يمكن أن تكون دون قيمة بل وضارة بالأهداف السياسية إذا لم يفهم أصحابها أعداءهم بصورة دقيقة.
أما الأسلوب العسكري فهو الحقائق الفنية والممارسات والمفاهيم المتعلقة بالاستخدام الكفء للقوة، ويشمل الأسلحة والمعدات والمسؤولين عن تشغيلها والنظريات التكتيكية لعملها . ودوره يتمثل في الاستخدام الكفء للقوات لتجاوز العقبات التي تحد من فعالية العمل العسكري كالمصادفات -من قبيل تعطل بعض المعدات المهمة والظروف الجوية المعاكسة وكالإخفاقات المعنوية مثل إحساس الجنود بالخوف أو التعب .
عقب تلك التعريفات تناول المؤلف أطروحة (كلاوزفيتز) بأن أسلوب الحرب يهدف لتدمير وسائل مقاومة العدو بأسرع ما يمكن ، مع مراعاة ألا تزيد كفة تكاليف الحرب على كفة فوائد النصر، وإلا تصبح الحرب غير مجدية. مع التأكيد أن السعي لتجنب دفع تكاليف باهظة للنصر يقزم عمليا الأهداف الاستراتيجية للحرب ويجعلها أكثر تواضعا فتكتفي الدول بتدمير جزء من وسائل مقاومة العدو مع الابقاء على التهديد بتدمير الباقي عند اللزوم وذلك للنيل من إرادة الخصم وإقناعه بأنه لن ينال من مواصلة القتال سوى مزيد من الخسائر دون طائل.

الفصل الأول (الثورة الفرنسية ونابليون)
إعتمدت الحروب في أوربا قبل الثورة الفرنسية على المناورات بالجيوش لوضع الخصم في وضع ميداني صعب لا يسعه فيه إلا الانسحاب أو قبول التفاوض وإنهاء الصراع دون اشتباك دموي قدر الإمكان. أما بعد الثورة فحدث توسع في تجنيد المواطنين، وتضخمت أعداد الجيوش، كما أصبحت نهاية الحروب تفرض من خلال التدمير العسكري الكلي أو الجزئي لقوات الخصم بدلا من المناورات الميدانية، وهذا التطور في الأساليب العسكرية حدث كأحد تداعيات التطورات السياسية التي حصلت آنذاك ، فقد قضت الثورة على الإجماع السياسي الأوربي المتفق على مشروعية النظام الملكي، ولم تعد المعارك مجرد صراعات محدودة على مقاعد الحكم بين العائلات الملكية الأوربية بل صارت أقرب لمعارك الوجود المستندة إلى خلافات أيدلوجية.
ورغم تميز الأسلوب العسكري لنابليون وقدرته على حشد قواته في أفضل الظروف المتاحة إلا أنه كان شخص ضعيف استراتيجيا يفتقر إلى حسن التقدير اللازم لمعرفة الحدود السياسية التي يعجز أسلوبه العسكري عند تجاوزها عن تأمين بقائه في السلطة، فطموحه السياسي لفرض الهيمنة على أوربا أدى إلى تحشيد القوى المعارضة له في جبهة مضادة باعتبار أن تكاليف التعايش معه أفدح من تكاليف التصدي لمشاريعه التوسعية، مما أدى إلى هزيمته في النهاية.

الفصل الثاني (الاستراتيجية في بروسيا وألمانيا في القرن التاسع عشر)
تناول المؤلف استراتيجية “بسمارك” لتوحيد ألمانيا إثر تمكنه من إخضاع قرارات الجيش البروسي للإعتبارات السياسية الأوسع مما منع (تحول مشروع تحويل بروسيا إلى امبراطورية ألمانية) إلى حرب ذات مردود عكسي تستنفر الدول الأخرى لمواجهته.
ثم أدى عزل بسمارك وتبني القيصر (فيلهلم الثاني) لاستراتيجية تستند على تطوير الكفاءة الفنية العسكرية للجيش الألماني وتتجاهل حساب الاعتبارات السياسية الأوسع إلى تشكيل تحالف فرنسي روسي ضد ألمانيا ولم ينجح رهان القيصر على قدرة جيشه على شن هجوم خاطف يحسم الصراع ضد خصومه في الحرب العالمية الأولى ، إذ فشل هجومه عمليا إثر المقاومة القوية التي أبداها الجيشان البلجيكي والفرنسي ، فسقطت ألمانيا ضحية تحالف أكبر منها ساهمت في تكوينه ضدها باستهانتها بالبعد السياسي للاستراتيجية.

الفصل الثالث: الحرب الشاملة والمعارضة الليبرالية
تناول المؤلف الاستراتيجيات الجديدة التي ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى، فشرح نظرية ( الحرب الشاملة) التي تبناها الجنرال الألماني (لودندورف) والذي دعا خلالها إلى إنشاء أمة مدربة ومجهزة ومستعدة للنصر في أي صراع وجودي، ولتحقيق ذلك دعا إلى تركيز السلطة في يد شخصية عسكرية من أجل إقامة ديكتاتورية فنية تدير الحرب الشاملة.
في الجهة المقابلة رفض المنظرون الليبراليون دعوات عسكرة المجتمع، وتبنى بعضهم مثل (فولر ، وليدل هارت ) نظرية وسيطة بين الشمولية والسلمية ، زعموا خلالها أن الأساليب العسكرية المتقدمة والمتمثلة في الإعتماد على قوات ممكننة برية وجوية ستكون قادرة على حسم الحروب بتكاليف قليلة من خلال توجيه ضربات ضد هياكل القيادة والسيطرة لدى العدو دون الحاجة لإبادة كافة تشكيلاته القتالية .
ثم استعرض المؤلف الانتقادات الموجهة لهذه النظريات والتي تتمثل في أن التطورات الفنية ستدفع الأعداء المحتملين لاجراء تطويرات مضادة تؤدي إلى موازنة الأساليب العسكرية الجديدة، وهو ما حدث بالفعل فتطوير الطائرات أدى إلى اختراع الرادار وتطوير أسلحة الدفاع الجوي.
ثم استعرض المؤلف نظرية الحرب المحدودة التي طرحها (ليدل هارت) والتي تعتمد على الدفاعات النشطة والمتحركة للحفاظ على القوات وإنهاك قوات العدو مما يقنع الخصم بأنه لن يكسب شيئا من خوضه للحرب. ولكن تحطمت تلك النظرية بظهور “هتلر” على مسرح الأحداث، إذ لم يتخذ قراراته بناء على حسابات عقلانية، ولم يخش التهديدات بإلحاق خسائر جسيمة بقواته. مما استدعى خوض حرب شاملة ضده أسفرت في النهاية عن تحطيم مشروعه التوسعي المعتمد على الكفاءة الفنية العسكرية الألمانية والمتجاهل للأبعاد السياسية للاستراتيجية.

الفصل الرابع : أميركا والحرب الليبرالية الرأسمالية (1941-1961)
اعتمدت أميركا منذ تأسيسها على تكوين كادر صغير من القوات النظامية ليكون بمثابة نواة يمكن حشد المدنيين حولها للقتال عند الحاجة. ومع دخولها الحرب العالمية الثانية عام 1941 اعتمدت أسلوبا عسكريا يستند على إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة ونشر قواتها الجوية عبر أنحاء العالم من أجل استهداف المراكز الصناعية للخصم بقصف مدمر يشل قدرته على الإنتاج الحربي ويضعف قدرته على مواصلة القتال.
وعقب الحرب العالمية الثانية صارت أميركا ضامنة لأمن الغرب ، وأدى امتلاكها هى وروسيا للسلاح النووي إلى اثارة الجدل حول ضرورة خفض سقف الأهداف العسكرية الامريكية المتعلقة بالصدام مع الاتحاد السوفيتي والاكتفاء بإحتواءه والحد من توسعه الخارجي من خلال استخدامات محدودة ومناسبة للقوة مثلما حدث في حرب كوريا (1950-1953).
رفض الرئيس ايزنهاور(1953-1961) الاستراتيجية السابقة لخشيته من أن يؤدي الاستعداد طويل المدى لهذه الحرب المحدودة إلى عسكرة المجتمع الأميركي في نهاية المطاف وإضعاف اقتصاده، وفضل الإعتماد على استراتيجية الردع عن طريق التهديد بالرد الشامل باستخدام الأسلحة النووية، وظلت هذه السياسة معتمدة حتى مجئ كيندي عام 1961.

الفصل الخامس : الحرب النووية المحدودة
تناول هذا الفصل تطور الاستراتيجية الأمريكية بشأن الحرب النووية منذ نشأتها في عهد ايزنهاور ،إذ ارتكزت على أن الهجوم السوفيتي يمكن ردعه بالتهديد بشن عمل انتقامي نووي. ثم أدى امتلاك السوفيت للسلاح النووي إلى تحجيم واشنطن عن شن تلك الحرب ردا على أي هجوم سوفيتي ضد أي حليف من حلفاءها. مما دعا البعض لطرح استراتيجية أخرى للحرب المحدودة مع السوفيت ، وهو ما رفضه ايزنهاور باعتبار أنه لا يمكن فرض السيطرة السياسية على الحرب ، فالحرب المحدودة ستؤدي لحرب غير محدودة ، ومن ثم فإن الحل في استراتيجية الردع النووي التي تجنب الطرفين الحرب من البداية.
بينما تبنى وزير الدفاع الأميركي في عهد كينيدي “ماكنمارا” استراتيجية (الرد المرن) التي تقدم أطيافا متنوعة للرد على الروس بدءا من الحرب النووية وصولا إلى الرد على الاختراقات الحدودية. ولاحقا تبنى الرئيس (كارتر) استراتيجية التحييد التي تهدف إلى تشجيع وقف العداءات من خلال المفاوضات واقناع الخصوم بأنهم لن يحققوا أهدافهم من خلال الحروب بل سيجنون خسائر أضخم من المكاسب.

الفصل السادس : الحرب التقليدية المحدودة
تناول هذا الفصل تطور الاستراتيجية الأمريكية بشأن الحرب التقليدية خلال النصف الثاني من القرن العشرين . وقد أظهرت حرب فيتنام أهمية فهم العدو كخطوة مسبقة وضرورية لصنع قرار استراتيجي سليم. كي لا تبنى الاستراتيجية على افتراضات ليس لها أساس على أرض الواقع.
كما رجح التورط الأميركي المتدرج بفيتنام الرأي القائل بعدم صواب التصعيد المتدرج للقوة ، والداعي بدلا من ذلك لتجريد العدو من أسلحته بأسرع ما يمكن ، وهو الرأي الذي دعمته حرب العراق عام 1991 مما جعل الاستراتيجية الأمريكية تركز على الاهتمام بالجانب الفني والاستخدام الأمثل للقوة.

الفصل السابع: الحرب العالمية على الإرهاب
تناول هذا الفصل خلفيات فشل الإعتماد على الأسلوب العسكري المتطور في هزيمة ما سماها بالتنظيمات الإرهابية ، إذ أدى استخدام القوة بصورة مفرطة إلى إحداث مشكلات أكثر مما تسبب في تقديم الحلول ، مما دفع إلى الاهتمام باستراتيجيات مكافحة التمرد التي تعتمد على كسب قلوب وعقول السكان والحد من الخسائر في صفوفهم كي يوفروا معلومات ضرورية عن هوية المتمردين بدلا من مساعدتهم لهم، وأكد على ضرورة إخضاع الاستراتيجيات العسكرية الفنية للإعتبارات السياسية كي تحقق الأهداف المرجوة. وبرهن على فشل استراتيجية بوش بالإعتماد على القوة العسكرية وحدها لحل المشاكل السياسية مهما بلغت درجة تعقيداتها.

الخاتمة
ذكر المؤلف أن استراتيجية بوش (من ليس معنا فهو ضدنا) لم تجد نفعا في بيئة معقدة مثل الشرق الأوسط. وأكد على ضرورة التوازن بين مخاطر اتخاذ تدابير غير كافية لصد التهديدات الناشئة ومخاطر اتخاذ تدابير مبالغ فيها تؤدي إلى خلق مشكلات أكثر مما تحل ، فلابد من فهم الحدود التي يؤدي استخدام القوة بعدها إلى نتائج سياسية عكسية. والنجاح في ذلك يعتمد على حسن التقدير المبني على فهم دقيق للخصوم.

للتحميل

FileDescriptionDate addedFile size
pdf الإستراتيجية العسكرية - سياسة وأسلوب الحرب - PDFOptim 1أكتوبر 2, 2017 1:02 م 19 MB

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*